نجاة بقاش: “أوريانا” العرافة…

17 أكتوبر 2016

نجاة بقاش: “أوريانا” العرافة…

ريف 24:

مملكة الجنون /25

“أوريانا”العرافة…

قصة “ليا” المثيرة…تشبه إلى حد بعيد  قصة”دياس” و”سايلا” ابنا بلدتي الصغيرة…فالأولى تمردت، أخذت من الصليب طريقا…والثاني فضل الرحيلحتى لا يبقى في البلدة غريبا…والثالثفضل التآمر…تحالف وخالف أوامر الأبوفضل المناصب…والآخرون اعتزلوا الواقع اتخذوا من “أوريانا” رفيقة، تنير لهم الطريق وتزرع في قلوبهم الأمل…في حين اعتلت “ثرلي” عرش الجنون…غير التبجيل ملامح “ليا” حتى أصبحت إنسانا…وغيرت الغربة “دياس” حتى أصبح شاعرا…بينما غيرت الماركات المسجلة ملامح”سايلا” كثيرا…حتى كادتالمرآة ألا تعرفه…وكاد الكبرياء أن يسقط انحناءأمامه…حاولت “ثرلي” تذكير “سايلا” المغرور بنفسه: فالعبرة ليست في البدايات وإنما العبر في الخواتم…وليس كل فوز نصرا وإنما في بعض الانتصار وهم ومذلة…

قصص قد تختلف عناوينها وبناؤها الدرامي، شخوصها وأحداثها، إلا أنها تبقى متشابهة فيتفاصيلها ونتائجها…

كان عليها أن تختار بين صكوك الولاء مقابل نيل تأشيرة البقاء بجوار “سايلا” السعيد…وإما التغيير ونيل العقاب العسير مثل”ليا” و”دياس” الحزين…المصير محسوم…والطريق مسدود…هكذا قالت لها العرافة “أوريانا”…إنها الوجه الآخر الخفي لمملكة الجنون…كانت تقطن في إحدى أزقة المدينة العتيقة المسيجة بأسوارها الحمراء…قرب ممر”ديابلو”الشهير…كان يقصدها العامة والأعيان كلما ساءت الأحوال أو اختلطت عليهم الأمور…ليستفسروا عن حلم ضائع…أو زوج خائن…عن ابن عاق أو حظ غائب…وفي أحيان كثيرة كان يقصدها الفقير لتجلب له الحظ الوافر…وتتزوج البنت أميرا خليجيا…لتتحقق معها لأحلام المؤجلة…وتشبع بطون الإخوة الجائعة… وتأخذ بثأر رب العمل الجائر…بل لتنال الإعجاب وتصبحفي المدينة أميرة…بينما كان يقصدها الأمير ليلا متنكرا…كي تقرأ لهالطالع وتنير له الطريق…ويتمكن من تملك القلوبوالعقول حتى يكون أكثر قبولا…ويستمر على العرش قرونا…

يبدومن الوهلة الأولى ان ذكاء وسلطة”أوريانا”العرافة لا حدود لها…تفوق توقعات وذكاء كل الحكومات المتعاقبة…فبتسخيرها للقوى الغيبية للتغلب على المستبد…وتحقيق أحلامالمستضعفين…هكذا استطاعت”أوريانا” أن تعمر طويلا…وكيف لا؟ وهي من يفكالعزلة والقيود…ويزرع الأمل ويجلب الغائب…إنها قادرة باسم القوى الغيبية أن تحمل أجوبة يعجز الحاكمون والعقلانيون والمقدس أن يحملها…فنزولا عند رغبة الملايين المتشبثين بتمائمها…تستحق “أوريانا” أن ينصب لها تمثالا في المدينة…ومنصبا في الحكومة…ويخصص لها يوما وطنيا اعترافا للتوازن الذي تحققه…امتنانا لحماية النظام من الانهيار…والسيطرة على الوضع من اليأس…

لكن رغم قدرتها وتحكمها في عالم الأرواح، تبقى “أوريانا”عاجزة منالإفلات من قبضة الفساد الذي تشكو منه المدينة…والذي سالت له دموع “أوريانا”العرافة بسبب جور القائد المتسلط…ومن القوانين المجحفة في حقها التي تجاهلت كيانها ووجودها بالفعل وقوة الطلب وضرورة الخدمة الاجتماعية…يختزل حلم “أوريانا”في أن تحمل بطاقتها الوطنية رقما وعنوانا لهويتها “كعرافة”…. وقبول أداء واجبها في أداء الضريبة على مداخيلهاكأية مواطنة …

إن معاناة أوريانا لا تنتهي،إذ لا أحد يتمنى أن تكون الزوجة المصونة أو البنت الكريمة مكان”أوريانا” العرافة… (إنها مفارقة غريبة) …تقول”أوريانا” بكل حرقة: (أنا “أوريانا” العرافة…أنا من يركع لها الجان…أنا من أقرأ الأحداث قبل وقوعها وأحقق الأحلام للصبايا…كيف يتجاهلني المسؤولون ولا يراني الحقوقيون؟…). إن مرارة “أوريانا”دفعتها للترافع عن حالات متشابهة لحالتها…تحدثت عن النفاق وعن قصر نظر الحكماء…وعرجت بكل طواعية على قصة الراقصة “فريدة”التي أحبتها الجماهير، حدثتني كيف عانت “فريدة”المسكينة من الوحدة ومن النفس اللئيمة…كيف لها وهيمن آمنت بالله وأدخلت السرور على عباده المؤمنين بصوتها الشجي وبهز خصرها، ألا تدفن بجوار من أسدت لهم خدمات جليلة…فبدونها ما كانت الأعراس أن تسمى كذلك؟ …جعلتني “أوريانا”أنسى هم “ثرلي” وهمي… بل زادتني هما على همي…وتشبثا بالمطالبة بفصل السلط وفصل الثنائية في القول والفعل…معها تبدو الأشياء غير التي أعرفها…معها يبدو الانفصام والتناقض جليا، والوضوح غائبا…فإما الاعتراف الصريح بأقدم المهن…وإما منعهما منعا كليا من التواجد…

(يتبع).

كلمات دليلية
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.