( أنا قروية جداً )
أنا قروية جداً
العصير لا يصل لرئتي
فقط الشاي الأسود يتخمر في رأسي
ويفتح لي أفاق اليقظة ،
البيتزا أحببتها مؤخراً
وقررت أن أكلها بيدي
فالأصابع يجب أن تُغسل في الفم مع كل لقمة
ومع كل لقمة يجب أن أكتشف أن طعم أصابعي أشهى ،
أنا قروية جداً
أكره رائحة السيارات والوقود والعجلات
أحب المشي على قدمي طيلة الوقت
أكره الأحذية العالية
القفز على الوجع يحتاج لحذاء دون كعب
وحين يكون الشارع خالياً
أركض كـطفلة تتسابق مع ظلها
وتصدق أنها فازت ووصلت البيت قبل ظلها بخطوة ،
أنا قروية جداً
لا أجيد الابتسامة
أضحك بشدة ، بصوت سخي بالحزن
لا تهمني أحزاني
أنا فقط أخبئها لأنشدها كلما رحل أحد
فنبكي جماعاً كأننا سرب شجن ،
أنا قروية جداً
لا أحب الرجل الأبيض
ولا الطفل الأبيض
ولا الجدار الأبيض
أحب ذلك الشامخ الذي يلقي التحية على سمار القمح
وينجب أطفالاً سمراً
ينامون تحت الشمس دون قلق
ويبني بيتاً من الطين الأسمر
حين يرش عليه القش ينيت العشب فوق سطح البيت وكأنه حديقة قُبَل
وفي تالي الغروب يهديني شريطاً أبيض
لأزين به خصري في عرس فلاح طيب ،
أنا قروية جداً
لا أعرف أن أحزن بوجه النهار
أبكي ليلاً وأنام
واستيقظ على صوت النهر في وسادتي
فانسى إنه بكائي أمس
وافتحُ ممراً منه للحقل
ليكون موسم القطن وفيراً نحتاج كل الأنهر وكل الدموع
لذا اعتدنا أن نؤجل خيباتنا لحين ما .
أنا قروية جداً
في الصيف أسهر على عتبة الجيران مع الجيران
ومن يعطش يشرب من ذات الكأس الذي شرب منه الجميع
بعد أن يقع الكأس من يد طفلهم
فيمتزج الماء بالتراب على قارعته
ويذهب الليل مندهشاً
ونحن نحكي عن فنون الرقص الكُردي
وأشهر المعزوفات الكردية التي يغنيها
(حمزة يوسف أو سعيد كاباري أو سعيد يوسف )
وفي نصف الحديث يقوم أحدنا ليرقص الكوجري في الساحة المكتظة بنا ،
أنا قروية جداً
في طفولتي لم يعلمني أحدٌ أن أنام باكراً
فقط كان يجب علي أن استيقظ باكراً
حتى أشاهد جارتنا وهي تضرب ابنها
لأنه نائم وقد أصبحت الثامنة صباحاً
في طفولتي لم يعلمني أحد أن أطلق شعري للريح
كانت الجدائل قدرنا الخالد
أنا قروية جداً
لا أطيق النساء اللواتي يصبغن شعرهن
فالألوان خلقت فقط لنرتديها
الحناء للشعر ، فقط الحناء …
الحناء سر الحب فينا ،
أنا قروية جداً
أحب قروياً يابس الرأس ، لا يبالي بي
وكلما مر بجانبي نظر إلى شماله ،
همس لقلبه ” جميلة محبوبتك السمراء ”
وقال لي ” هل زرعتم النرجس هذا العام ؟ “
” لا يا حبيبي قد زرعتك أنت في سري وفي علني، لذهابك الدائم أرش نفسي مكان الماء … ”
أقولها بعد أن أُغلق مسمعه بـ ” لا ”
فأنا قروية جداً
والقرويات سجينات الأمل …

أمل عودة رجل لن يعود أبداً .

خوناف ايوب