محمد شاشا.. حكاية عائد من الموت

في جسدي رئتاه.. هو أنا وأنا هو

29 يونيو 2016

محمد شاشا.. حكاية عائد من الموت

ريف 24: تقرير: كريمة ادريسي

“جمعت نفسي وودعت رحم أمي راحلا إلى تيه مزقته عيون زبانية”.. من بعض ما كتبه الكاتب والشاعر والمسرحي ومعد البرامج التلفزيونية محمد شاشا، الذي شارف على الموت في العام 2004.

حين بلغ التليف الرئوي الذي كان يعاني منه مداه، وانخفضت كمية الهواء في رئتيه لما تحت اللتر في الدقيقة، في حين ان الكمية لدى الإنسان السليم هي 6 لترات في الدقيقة. لكن فجأة وفي منتصف الليل، رن الهاتف ببيته في أمستردام، ليخبره المستشفى أن لديه رئتان كاملتان سليمتان له،. وفي نفس الليلة انتقل بسيارة الإسعاف إلى مستشفى خروننغن، ووصله بعد ساعتين، استعد فيهما دون تردد لميلاده الجديد أو ربما موته الأبدي.

قبل الميلاد الجديد

“قبل الميلاد الجديد أو البعث لم تكن لدي أي حياة، لم أكن أتمكن من المشي أو التنفس، كنت أختنق وكأن الهواء مفقود..لكي اقطع مسافة عشرة أمتار فقط، كنت أشعر وكأني أسير عشرات الكيلومترات، مع استراحة خمس دقائق تلي كل خطوة”. هذا بعض ما يحكيه شاشا مع معاناته مع المرض قبل العملية. ويضيف: “دام هذا الحال سنوات طويلة، وكان الطبيب يتفاجأ أنني لا زلت على قيد الحياة. لكن حياتي أصبحت في خطر ومهددة بأن تنطفئ في أية لحظة. وانخفضت كمية الهواء في رئتي إلى اقل من لترفي الدقيقة”. ان كمية الهواء في رئتي جسم سليم تصل إلى ستة لترات في الدقيقة، ولم يكن من دواء لتليف الرئوي لدى شاشا إلا زراعة رئة جديدة..في آخر زيارة للطبيب، قال له هذا الأخير: “لائحة الانتظار طويلة، ولن يأتي عليك الدور إلا بعد عام ونصف على الأقل”. بعد عام ونصف؟ تساءل شاشا، “هل سأستطيع الانتظار؟”. يقول شاشا ان ما ميزه ان روحه لم تتأثر بالمرض. ظل متفائلا، ضاحكا، آملا في ميلاد جديد.

زراعة الرئتين

لحسن حظه ربما، لم ينتظر شاشا عاما ونصف، كما اخبره الطبيب، حيث يقول: “بعد شهرين، رن هاتف بيتي يوما في منتصف الليل. كان المستشفى على الطرف الآخر. أخبروني إن لديهم رئة جديدة له. لم يصدق ولم أتردد لحظة كما فعل من اتصلوا به قبلي. قال لهم ان عليه ان يفكر أولا ويكون مستعدا. لكن الرئة لا يمكن ان تنتظر أكثر من ست أو ثمان ساعات على الأكثر.” في نفس الليلة، وصلت سيارة الإسعاف إلى بيته في أمستردام وأخذته إلى مستشفى خروننغن، واستغرقت الرحلة إلى مكان الميلاد الجديد ساعتين. ثم سرعان ما تبين ان رئة المتبرع تناسب جسده، فنقل على الفور إلى غرفة العمليات. استغرقت عملية الزراعة ما يزيد عن 11 ساعة. حين استفاق شعر بالآم حادة. لكنه شعر أيضا انه يتنفس دون ان يختنق. يتنفس بحرية. وفكر للحظة انه لو استسلم للموت لكان أفضل ربما. فتلك الآلام لا يتحملها بشر. انزعج أطباء المستشفى من سوداويته، وبشروه بأن حياة جديدة في انتظاره، فليستعد لها بالأحضان.

ميلاد جديد

بعد ثلاثة أسابيع غادر شاشا المستشفى، وكان عليه ان يتبع نظاما غذائيا صارما لمدة ستة أشهر. شعر انه يحيا ويتنفس ويستمتع بالحياة. ” قبل ذلك كنت ميتا. كنت جثة فوق الأرض. اكتشفت ما هي المتعة. إني الآن استمتع بكل التفاصيل الصغيرة التي تحيط بي، تشدني زقزقة العصافير، واستنشق الهواء ملء صدري. استمتع بالحياة”.

غريب في صدري

لم يعرف شاشا أبدا من المتبرع. وإذا اجتاحته الرغبة يوما في ان يبعث رسالة شكر أو غير ذلك لأهله، فلا يمكن إلا عبر المستشفى. لكنه لم يرغب في ذلك، فالرئتان الجديدتان في صدره منحتاه إحساسا لا يوصف بالكلمات بالعرفان بالجميل، ” هو وأنا واحد. هو الحياة وأنا الجسد..لم اعد وحدي. أو كما قال الحلاج يوما: “روحه روحي وروحي روحه/ان يشأ شئت وان شئت يشأ”.

من شروط التسجيل على لائحة زراعة رئة جديدة، عدم التدخين. وإذا ظل المريض يدخن، أو أصبح يدخن، فقد يؤدي الأمر إلى شطب اسمه من على اللائحة. وبعد العملية أيضا يستحب عدم التدخين، ويخضع صاحب الرئة الجديدة طوال حياته، لفحص طبي كل ثلاثة أشهر. ويقول شاشا: “من كان له حظ آخر في الحياة، فانه يعرف قيمتها. لماذا سأعرض نفسي مرة أخرى للموت؟”. ليس هذا فقط، ولكن شاشا يقدر بشكل لا يوصف حياة ذاك الآخر فيه، ويعو إلى الحلاج قائلا: “…فإذا مسك شيء مسني/ فإذا أنت أنا لا نفترق”.

الشاعر الكاتب

 تجدر الإشارة إلى انه صدرت لمحمد شاشا كتب ودواوين عدة في هولندا، منها “قصائد الفقراء”، “قصائد متمردة”، “شيء من الجنون لم ينضج بعد” ورواية “اخترق التابو لتبرز الشمس”، ودراسة في الشعر بعنوان “الطريق إلى الشعر”، وقد عاد للكتابة من جديد، وهو منكب الآن على كتابات جديدة بالهولندية. يختم حديثه لإذاعتنا قائلا: “لماذا يموت اثنان إذا كان احدهما يستطيع الحياة؟ إذا كان اينشتاين في حاجة لرئتين، ومت في كل الأحوال، فلماذا لا أتبرع له برئتي ليستمر في خدمة الإنسانية؟”.

وذاك موضوع آخر، ففي إطار أسبوع التبرع بالأعضاء الذي ينظم هذا الأسبوع، اتضح مرة أخرى ان الأقليات في هولندا لا يتبرعون بأعضائهم، إما لأسباب دينية، أو ثقافية أو نفسية.

المصدر - إذاعة هولندا العالمية
كلمات دليلية
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.