نجاة بقاش: ونسيت دائي…

30 مايو 2016

نجاة بقاش: ونسيت دائي…

ريف 24:

كل شيء يبدو لي مختلفا…متناغما…منتظما…منسجما…هادئا وجميلا…كغير عادته…بعيدا عن ضوضاء الأنانية والتفاوض القيمي…تبدو فيه الأيام والليالي معه خالية من العتاب…تحت نغمات موسيقى “فرحة اللقاء”…بعيدة عن منطق التأشيرات والحدود الضيقة…داعبت الإيقاعات أرجاء المركب…ألقيت أشعار في حضرته…رقص لها الفتية عربون حب للأرض الطيبة…وعرفانا للنوايا الحسنة…حالمين، حاملين معهم مشعل الأمل…أحلاما وردية شفاء للنفوس المتعبة…عم السلم والسلام لحظة…أصبح التعايش والإبداع لها عنوانا…نسي فيها الكل حكايته…ونسيت معها دائي والملامة..غفرت لمن كان بالأمس القريب جلادي..

بدا لي الكل صديقا صادقا…والمركب صافيا رائعا كما لم تره عيني من قبل…فسيحا فرحا بوجودي مرحبا بكل من كان حولي…تبدو الأوجه باختلاف ألوانها وتقاسيمها واضحة…طال الانتظار طويلا…فلولاه لما عانقي الاعتراف بتاتا…أحسست بسعادة الأطفال كلما ناداني باسمي…الذي كدت أنسى معنى حروفه…فلولا نباهته وحسه المرهف لما أعطى لاسمي معنى آخر…وللمكان بعدا…وللوجود طعما…من قال إن ثرلي يوما كانت خصما؟…وجدت نفسي ألقي الشعر وأنظم النثر…أرقص على الإيقاعات ناسية همي…في حضرة الشرق والغرب…أصافح أسامح من كان بالأمس القريب غريمي…تساءلت كما تساءل غيري…كيف للغمامة أن تنجلي؟…كيف لوجوده أن يكون له كل هذا الأثر؟…كيف له أن يجمع بين الأضداد ويجعل الكل يسبح مع التيار؟…ويغير ما بالداخل والخارج ويحوله إلى فسحة الأمل؟…أنسى بذلك دائي؟…بل كيف له أن يأخذني للشرق بعيدا عن ضوضاء المدينة عن سايلا صديقي وعن كلارا الإسبانية؟…فلا بد له أن يكون إما فارسا أو ساحرا…عبقريا أو مجنونا…أعود وأتذكر ما قالته جدتي يوما…”إن الإنسان والأشياء والفرص والسبل…لم توجد لتكون يوما عبثا”…وأعود لأعاتبه ثانية ما سر الغياب الذي طال عمرا؟…لو أتى قبلا لما سال حبري احمرارا…لما كانت الثورة عنواني…لما ضيع عمره في محاصرتي…أخذني الحدث بعيدا عن الذات المجروحة… أعترف أن القضية أخذت مني الكثير…جعلني الفضاء أتفاعل بامتياز…تراني أفرح تارة…فأترك دائرة الظل بعيدا…أنسى فيها دائي وغبني برهة…أسامح فيها كل من كان سببا في قهر الملايين…وأعود مرة أخرى لأحزن كثيرا…كلما انتابني شعور بحتمية زوال اللحظة…وإسدال الستار عن أجمل مسرحية…والعودة إلى اللا أمكنة خلف القضبان الهرمية…تحت نظرات المايسترو التي لم تكن تفارقني…وعتاب الجبار المستمر لي…وكبرياء سايلا صديقي الذي منعه أن يجيب على رنات هاتفي…بدعوى انشغالاته الكثيرة بأموره السياسية…آملا أن يجعل من الدنيا جنة وقبلة للسعداء…متجنبا مقابلتي خوفا من مواجهة تساؤلات “ثرلي” بنت المدينة “يدجيس نتماث”…

إن دعوات جدتي لي بالتوفيق كانت تحميني من الطاقات السلبية…اتصال دياس لي من المعتقل أعطى لي الرغبة في مواصلة النضال…صلوات إناس لي من هناك كانت تزيدني قوة وإيمانا بقضية عظمة الإنسان…بل عظمة النوايا الحسنة ومعجزة التفاعل في تذويب الحدود والتراتبية…في تدبير الاختلافات وجعلها تعلو فوق المصالح…أجدني معه أرغب في أشياء كثيرة…أن أحلق كما القمر…أن أسافر بعيدا نحو المستحيل…نحو الشمس والأفق البعيد…أن أمسح الخطيئة وأسامح الكل بالنيابة…وأعتذر لوجهي الحزين…ولدياس المسكين الذي سررت بسماع صوته كثيرا…وأطلب المحبة لسايلا صديقي…

أعود لمملكة الجنون حاملة معي حلم ليلى المهجورة…إكليل ورد أضعه فوق نعش الذاكرة المنسية…رسالة محبة واعتذار من الضفة الشرقية “لثرلي” الأمازيغية…ترقص لها تحت إيقاعات فلامينكو كلارا الإسبانية…(يتبع).

نجاة بقاش

 

 

كلمات دليلية
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.