نجاة بقاش: أبحث عن ذاتي وعنك…

4 أبريل 2016

نجاة بقاش: أبحث عن ذاتي وعنك…

ريف 24:

مملكة الجنون/19       

أبحث عن ذاتي وعنك…

أبحث عنك وعني يا مجحفا في حقي…يا غائبا عن الديار رغم تأكيدك للحضور…أبحث عن ذاتي لأستكين…يا عدوا أخذ الصبر منا…تاركا الآلام تغزي…يا مغتصب أحلام الطفولة…طال بطشك حتى بلغ الأغوار…حاولت نسيان الغبن فسقطت في فخ الذل…لم يتبق منك يا لئيم سوى الغي والفحولة…أبحث عن ذاتي العليلة…لأذكرها بغدر الأيام الجميلة…آه منك يا لئيم…كنت قبل بلوغ المراد وديعا…بطشك صار عنوانا للمدينة…أبحث فيها عن ذاتي وعنك…أجمع شتاتي لأقول لك الحقيقة…تجدها مدونة في دفاتري الصفراء كتبتها منذ فترة طويلة…نحن من جعل منك في ديارنا أميرا…وصنعنا منك بجهلنا طوطيما…نحن من غذى أنانيتك…وضخ في جبروتك دماء…هتفنا باسمك ليلا ونهارا…حتى أصبح نظرك إلينا قصيرا…لم تعد ترانا حتى ولو كنا جبالا…ولن تستمع لصوتنا حتى ولو طرب لنا العندليب…لن ترض بنا مهما حاولنا الإقناع…

أبحث عن ذاتي وسط أسوار المدينة…علي أجد فيها بقايا حلم فتى مر من هنا…أراد أن تتذكره الجميلات…أو شعارا أحمرا كتب خلسة على الجدران ليلا…رفعه الرفاق يوم كان للرفاق مكان…أرادوه عرسا يعيشه الأحباب ويتذكره الأعداء…أو بصمات أيادي تركت احتجاجا على تكسير اللعب الخشبية…أبحث عن مكان يأويني…يذكر الأهل ببنت المدينة…تذكارا أحمله قلادة على صدري…أتزين به حتى لا تغيب شمس الحقيقة…أو يتيه عني أهل المدينة…لم أجد منك هناك سوى قصيدة سخيفة…تحكي قصتك السقيمة…ترويها بلسانك بقايا اسم البطولة…أسوارها القديمة لم تعد تذكرني بشيء…رحلة مخيفة في أزقة المدينة…ما جدوى وجودها إن لم تتذكرني…وما جدوى فساحتها إن لم أكن فيها…فليسقط الغبار عن مساكننا…وليسقط النسيان عن ذاكرتنا…أيها العدو الغاشم…انزع عنك اللثام والقناع حتى أراك…صارعني مصارعة الفرسان أرجوك…يحز في نفسي أن أرى العدو جبانا…يتربص بي كأية فريسة…كيف تتصور يا لئيم أن أكون دجاجة…المدينة ليست لك…والحرية ليست لك…الحياة لن تكون إلا لسواك…فمهما حاولت، لن تنال مني الوسام…خذها رسالة مني بلغها لمن يهمه أمري:…

“ما لي أراك يا سايلا خائفا…خجولا…كغير عادتك خنوعا…بعد أن كنت في العبث سيدا…في الشقاء فارسا…في الأحلام ثائرا…إلى الأمام رفيقا…بعد أن كان الرغيف اليابس يعرفك…والفوضى عنوانك…والأيام المظلمة تهواك…وحياة الصعاليك تليق بك…ما الذي حل بك يا سايلا صديقي؟…ما لي أراك تائها بين اليوم والأمس؟…بين حلكة الليل ونور الشمس الساطع…بين الحقيقة والوهم…بين التبرير والتضليل…تملأ الدنيا هرولة صخبا وضجيجا ظهورك الباهت الغير مقنع…يجعل الارتباك يفك الارتباط…فليست النوايا من تسد الرمق…ولا المناورات من ستفك العزلة…لياليك الحمراء ورقصاتك على الحبلين…أيقظت الأرض من تحت الأقدام…تشكو الدنيا من دلالك…فكل الدلال عليك لا يليق…كفاك يا سايلا تضليلا وكفرا بالأرض الطيبة…فأنت سايلا بن البلدة الصغيرة…فلا تحاكي غيرك في المذلة…لا تجعل من الأكاذيب عالمك…والإعلام وسيلتك…لتراقص الثعابين ضنا منك أن الغباء أخذ منا كثيرا…دعني أجد نفسي وأجدك…لأدعوك تجرب حظك معي في المصارعة الحرة…فبدخولك ساحة العراك أعزل…يجعلك تخسر الحرب معي مؤكدا…فحلبات العراك تعرفني…اسأل عني أحياء المدينة…لم أتذكر في حياتي أنني خسرتها يوما…انتظرك في مدخل المدينة فلا تتخلف…لا تنس أن تذكرني بأمنيتك الأخيرة…فبأية طريقة تود يا سايلا الرحيل؟…”

بعثت لسايلا رسالتي هذه…وجلست على قمة جبل “مورو بييخو” أنتظره…بدأت أفكاري تتصارع في رأسي…هل سيأتي صديقي أم سيغيب؟…انتابني شعور بالحزن…حينما رأيت نهاية سايلا على يدي…دموعي تتهاطل على نهايته، صدقوني…لم أكن أعرف أن رحيل سايلا سيؤلمني…ليته لن يلبي ندائي…ولن يأت كعادته…صداع وصراخ في رأسي…عقلي غير هادئ…فكرة تجرني نحو اليمين للعطف عليه…يأتي الدفاع ليذكرني هل الحياة بدونه ستناسبني؟ وأخرى تأخذني نحو اليسار لإعدامه…ليذكروني بجرائم سايلا وغدره…أخرى تعود بي لواقع الأمر، لأجد نفسي في إطار الهذيان…أيقظتني خطوات فتيان فروا من المدارس…ليعانقوا الحرية خارج الأسوار…ينسجوا حكاية إعادة إنتاج المدينة…رأيت بينهم شبيه سايلا ودياس…ثرلي وليلى والشمس…تنتظرهم فصول نفس المسرحية…ابتسمت لهم فلم يردوا الابتسامة…ضن الشباب أنني مجنونة حطت الرحال هنا…تركوني وشأني ربما خوفا…ربما شفقة علي…بسببي تركوا المكان، ليجدوا مكانا آخر يأوي الأحلام…وجودي أزعجهم بعدما سررت برؤيتهم…تركوني ولم تتركني نظراتهم…متسائلين عمن تكون هذه الغريبة…لم يعرفوا أنني  ثرلي بنت المدينة…وجدت نفسي مرة أخرى ألقي على الجبال بلومي…لم تحتفظ باسمي ولم تنحته على الصخر…حتى يتذكرني أهل المدينة…(يتبع).

أترك تعليقك
1 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

  • khalid