فاطمة الزياني: الظرف الأصفر

24 مارس 2016

فاطمة الزياني: الظرف الأصفر

ريف 24:

أنا وحدي وهذه السيارة المخلخلة التي تشبه امرأة عجوزا لا تصلح إلا لحكي الأساطير للأطفال , والتي تشهد على عدم سرقتي للوزارة التي أشتغل معها . تربطني مع دولتي علاقة خوف موروث , تبدو للذي لا يعرف تاريخي وتاريخ دولتي علاقة احترام . سوف يكتشف الحقيقة لاحقا ..
أنا وسيارتي وهذه الطريق التي سرق على ظهرها كل الوزراء ميزانيات إصلاحها , وما تزال لم تصلح بعد . الوجهة الى الرباط . يقول صديقي : ” الرباط خلانا نعيشو تحت الصباط.” هو يستطيع البوح بمثل هذه الخلاصات الحياتية علانية وأمام أي كان . أما أنا فلا أعتبره شجاعا , بل أعتبره متهورا . مرة واحدة زل لساني قائلا : ” إننا نعيش في دولة اللصوص …” , كنت منفعلا , وقد ندمت وظللت شهرا كاملا ذاهبا آيبا الى و من البنك أطمئن هل وصل المرتب أم أن الإدارة علمت بما تفوهت به ضد النظام فاتخذت معي الإجراءات , ولم أطمئن الا عندما تأكدت أن كلامي لا يساوي شيئا في سوق الكلام .
لكي تصل الى هذه العاصمة الخائنة , لابد من التنسيم برائحة شباط المقرفة , والاستراحة بين شفتي الوفا عندما يكون ضاحكا . لابد من المرور بالمدينة الإستقلالية , ويالها من مدينة!, هؤلاء الإستقاليون ” علينا ” , المستعبدون ” عليهم ” , عرفوا كيف يختارون لأنفسهم الجغرافية الحنونة بتاريخهم الدموي القاسي . كنت أتصورها مدينة بفولار وجلابة فاسية . على غير صواب كنت . أول ما التقطته عيناي الأضواء الحمراء الراقصة بغنج وانعكاس على مبنى مقابل . الملهى الذي يناقض الخط العلمي للمدينة , تتحرر من صخبه نغمات الجاز وتهدي نفسها لكل الساهرين . خمنت أن الوفا هناك يقارع , ويراقص فاتحا فمه كتمساح من تماسيح شيخ الفكاهة .
تحسست الملف أمامي . مقود سيارتي يبدو كصفر من الأصفار التي أمنحها للتلاميذ الأغبياء. لقد قيل لي أن ذلك الحارس لطيف, يوصل الأظرفة بأمانة الى غاية يد السلطان أسرع من بريد ديوان التظلمات . هذا ما جعلني أتخيل مبتسما أن رئيس دولتي يقرأ رسالتي : ” سيدي ومولاي … ” نعم فالخنوع والقليل من المكيافيلية مطلوبان في أمل التسرب السهل الى القلوب الصعبة . الخضوع للسيد أقل ضررا من الخضوع للعبد . ولكن أين هي المساواة التي يتغنون بها صباح مساء ؟. السيد ؟ , العبد؟ الخشوع والإذعان . أدرت شريطا لأم كلثوم …
السيارة بطيئة تسبقها كل السيارات . الطريق السيار يبتدأ من أين تبدأ خطى علال الفاسي الذي أكرهه وأدرسه رغما عني . علال , اسم لايصلح أن يكون الا قرصانا أو لصا من لصوص المدينة القديمة . ما قبل خطى هذا المكروه طريق محفورة لا تصلح إلا لعبور دواب مهربي حشيش كتامة بين نهود جبال الريف الضخمة . المقود مثقل ببصماتي . أخذت منديلا , وحاولت أن امسحها , حتى إذا قتلت المدير لن يأخذوا بصماتي من ها هنا . ولكن المخزن يعرف كل شيء في جسدي , ويعرف مقاس حذائي وماذا آكل وفيم أفكر . خاصة فيم أفكر هذه .. يقول صديقي : ” يعرفون كل أفكارك وعدد الشعيرات في رأسك .. ” سألته بغباء : ” ولكن كيف يستطيعون عد شعيرات الرؤوس ؟ ” . قال مستهزئا : ” جهاز الاستخبارات يقارن بين عدد الشعيرات بعدد الأفكار …“ ولكن الشعب لديه الجهاز التناسلي الذي ينتقم بواسطته , التكاثر , وما أدراك ما التكاثر . نعم النمو الديموغرافي السريع الذي ينتج شعبا جرثوميا من شمكارة وإرهابيين هو الذي يحقق نشوة الإنتقام .
” نعم سيدي أعزك الله .. أنا واحد من رعاياك المخلصين .. ”
نعم . أنا نعجة من نعاج قطيعك , وما العيب في ذلك ؟ على الأقل , أنا معفي من تحمل أي مسؤولية . هناك من يتحملها عني . آكل وأشرب وأمارس حقوقي الطبيعية في التزاوج والذهاب الى المرحاض .. وماذا أريد أكثر من هذا ؟ إنني في نعمة يحسدني عليها السويديون .. لو سمعني صديقي أقارن نفسي بالسويديين .. ولكن بما أنني في نعمة , فما الذي جعلني أكابد العناء من أجل الوصول الى القصر ؟ . اهتزت فرائسي وأنا أتلفظ بالقصر. سمعت نقر حوافر الأحصنة الملكية , ورأيت المملوكين يهجمون علي مثلما يهجم الهندوس على إنسان متحضر ليأكلوه . فزعت . نظرت صوب الظرف الأصفر , تحسسته بيد مرتعشة . ” يا صاحب الملك , جئت لأقدم الولاء والطاعة . وما عدا ذلك من كلام متظلم اعتبره غلطة مني عدت عنها ولن أعود إليها …“ . عرقت . أدرت المقود , وعدت من حيث أتيت ..
فاطمة الزياني .

كلمات دليلية
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.