نجاة بقاش: آسفة سيدي

11 مارس 2016

نجاة بقاش: آسفة سيدي

ريف 24:

مملكة الجنون /18  آسفة سيدي…    

آسفة سيدي…لم أكن أتمنى أن أراك يوما…طريح الفراش عليلا…وحيدا في القصر رغم الزحام…لأسباب إنسانية وأخرى تاريخية…ترتبط بإيماني الراسخ لكون الإنسان يجب أن يبق إنسانا…فوق الأنا والألم…أن يبق غاية في حد ذاته…لهذه الغاية وحدها، لم أتردد بالمجيء إليك بعد أن أخبرتني كلارا الإسبانية بما حل بك…رغم اختلافي الشديد لمقاربتك الضيقة لتقرير مصيري…ومقاربتك النفعية للوجود…وعدم انسجامي مع فلسفة القصور…التي تجعل الإنسان لا يسمو على الانغلاق المادي والارتباط المبالغ فيه بالأنا وسحق الآخر…تجعل الوعي الكامن عاجزا على إدراك الوجود الأفضل…في هيمنة سلطة المتحرك وغياب الأخلاق الثابتة… والإرادة الفعلية للعدالة الاجتماعية…والمحاكمة الفكرية المنطقية للذات…والقاعدة السرمدية التي توجِّه الإنسان نحو إنسانيته…لقد أتيتك بدون تردد حينما علمت أنك مريض متألم ولمساندتي محتاج…

آسفة سيدي…

لما آلت إليه الأوضاع والأوجاع…فدعواتي لك بالشفاء العاجل فرصة لك لتصحيح الأخطاء…وإرجاع الحق لأصحابه…والبث في الأمور العالقة…إن طلب كلارا أقلقني…وحديثها عن مصير المدينة وعنك ألمني…وفقدانك للأحبة جعلني أشفق على اللئيم قبل اليتيم…

كيف لي أن أساعدك سيدي، وكلارا كل الوقت بجواري تراقبني؟…أفضل أن تنسحب الإسبانية من حياتي ومن المكان…وتنزع عنها اللباس العسكري…نسيت أنني بسببك أصبحت ثائرة…وأصبح قلمي أحمرا…بسببها غدوت غاضبة…عن اللباس الأبيض عازفة…لموائد السلاطين، صائمة…ولصداقة سايلا رافضة…فقل للإسبانية أن تنزع ذبابتها عني…فلا داعي لحجب ليلى و”ثرلي”  بالغربال…وقل للشرقية أيضا أن وجودها في سمائنا غيمة وضباب…

احتماؤك بكلارا لم يعد له مبرر…ولا داعي للخوف أو فرض البرتوكولات عني…فالتفاوض يبقى أرقى ما يميز البشر…سمعت كلارا الحديث…فهمت قصدي وفضلت الانسحاب…إلى أن ينادى عليها من غرفة الانتظار أو من مقصورة الربان…وغادر المكان كل من كان بجوار السيد يصلي…بعد أن أعطى لهم الإشارة كالعادة…

انتابني شعور غريب…عندما أغلقوا الأبواب الصلبة…أحسست باقتراب ملك الموت مني…رأيت الأشباح تملأ الأرجاء…في أغرب محاكمة الخير للشر…سمعت أصوات الجياع تعلو صارخة…تحمل في مقاماتها لازمة “الأرضُ مغتصبةٌ”…

كانت جدتي المسكينة ضمن الحضور…تحمل بين يديها منديلا مطرزا غير مكتمل…والأمير العاشق للعندليب بجوار حلم ليلى العروس…ودياس الذي لم ينه كتابة سيرته الذاتية…طوابير الأطفال ملقية على الأرض كالأقداح المكسورة…والغاضبون عن اغتيال السؤال ثائرون…نظر إلي السيد والدمع تملأ عينيه تستعطفني…بريقهما الباهت يدل على نهاية الكون…أصر أن يمسك يدي…خائفا مهزوما كأي طفل يستنجد بي…جعلني أشفق على حاله رغم المآسي التي كان فيها بطلا…قلت له لا تحزن أيها الإنسان…لما الحزن الآن حين لا ينفع الندم…همس لي في أذني معترفا: اقتربي “ثرلي” مني…فهيهات بين اليوم والأمس…هذا مصير من يسطو على أحلام الغير…ويبعد “ثرلي” عن الفصل…درس فهمته جيدا بعد فوات الأوان…وجدت نفسي بين امتحان عسير…أرى السيد يصارع حسرة وحدته…تمنيت لو لم أكن شاهدة على العصر…على الثأر…سمعت صدى الأشباح تتلو أقوى قصائدها: هيهات بين اليوم والغد…أليس الغائب من اتخذ من الميكافيلية مذهبا؟…وجعلت للكراكيز موقفا؟…تقديرا لإخلاصها وسكوتها…وإعادة إنتاج حلقات مسلسل الغموض؟…

استرسلت الأشباح في تراتيلها: يا “ثرلي” لا تكوني مغفلة…أرجو ألا تنساقي فالأمر حاسم أمره…وسط الضجيج والألم…تفقدت حاجب السيد وسايلا صديقي…اللذان كانا غائبين عن المجلس…لأول مرة تمنيت أن يكونا حاضرين…حتى يكون الحكم عادلا…وألا يبقى السيد وحيدا…لأول مرة أحسست أنه إنسان…صدق من قال: “أن الدمع هو الإنسان”…و”أن السلطة استبداد” “ومسافات” تجعل الإنسان يعتقد أنه ظل الله في الأرض…وأن الطاعة عند المستبِد واجبة…في حين أنها عند المستبِد دلال لا معنى لها في غياب العدل…

يبقى الحزن وحده كفيل بتقليص المسافات بيننا وتذويب جليد مئات السنين…أصبح السيد بإمكانه قراءة أفكاري…يجيبني قبل أن أشرع في السؤال…بصوت حزين مشروخ أضاف قائلا: ليت الزمان يعود يوما…فأخبر الأجداد بعدم جدوى قرب كلارا ولا حيل سايلا…

وجدت نفسي وحيدة ككل مرة…أمام الاختيار الأصعب…بين صوت الضمير والواجب…وأنين المريض الآثم…بين كلارا المخادعة وسايلا صديقي التائه…حاول السيد أن يبرر إقصاءه لي إلا أن التهم كانت ثابتة عليه…

تعالت الأصوات من كل الجهات…حتى كدت أفقد الصواب…”لا داعي للتبرير…فموقفك ضعيف سيدي…التحكيم للعقل كان واجبا…والملك أساسه العدل…مسلسل الاستبداد دام طويلا…ذهبت ضحيته الملايين…بسببك اندثرت الأحلام…وقالوا عن “ثرلي”: دون كيشوط مازال بيننا…معتوهة صعلوكة متواطئة…مجنونة غريبة الأطوار…تريد تغيير الثبات…ألقوا بها خارج الأسوار…بعيدة عن المدينة وعن الأنظار…عن الكراسي والمناصب…حتى لا تنعم بالحرية والاستقرار…

فلا داعي للعب دور البريء اليوم…فهذه نتيجة الاستبداد وقلب الحقائق في الأذهان…وإلباس الظلم رداء التقوى…وتلفيق الفساد لصاحب الحق…فلتنل عقابك الآن أيها الرجل…يا من جعل الفقر عن يمينه…والاستبداد عن يساره…والصراخ من ورائه…والعقيدة سلاحه…وسايلا المتحايل شريكه…في الدناءة والنذالة لعبته…و”ثرلي” في قفص الاتهام معذبة…

“ثرلي” قضيتنا…

وقضيتنا تشبهنا…

وما يشبهنا عقيدتنا

آسفة سيدي…

نريده حكما عادلا…

حتى ولو كانت “ثرلي” على رأسنا تاجا…

وأنت على الفراش مريضا…

(يتبع).

كلمات دليلية
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.