نجاة بقاش: مملكة الجنون/12

18 ديسمبر 2015

نجاة بقاش: مملكة الجنون/12

ريف 24:

إناس…

“صباح الخير سيدتي…اسمي إناس…لكن الكل هنا يفضل أن يناديني سناء…كنت إناس أو سناء أصبح الأمر لدي سيان”…

“يسرني سيدتي بكل الأسماء والعبر…أن أكون وصيفتك…يمكن أن تناديني كما شئت ومتى شئت…أنا هنا في خدمتك…أنتظر تعليماتك…كما أتمنى أن أكون عند حسن ظنك”…

بخفة دمها…وبفصاحة لسانها…ونقاء روحها…خاطبتني الفتاة ذات العشرين من عمرها… تجمع بين المرح والجد…تتميز عن باقي فتيات البلاط…تبدو في بساطتها قادمة من الزمن البعيد…سألتها “وهل لا بد لي من وصيفة تخدمني؟”…توقفت لحظة عن الكلام…نظرت إلي نظرة الاستغراب…ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة ملؤها الإعجاب…تقاسيم وجهها، كادت تقول لي أشياء لم تكن في الحسبان…أجابتني إناس بذكاء الكبار…مستدركة…”نعم سيدتي…يلزمك وصيفة تخدمك…وتعتني بتفاصيل حياتك…سأكون رهن إشارتك…حافظة لأسرارك…إذا لم يكن هناك اعتراض لدى سيدتي”…

نظراتها تشرق بريقا…تحكي قصصا وتاريخا…تخفي أسرارا وألما…لا يمكن لإناس أن تكون فتاة عادية…القدر الذي ساقها نحوي لم يكن عابثا…وجودها في طريقي لم يكن صدفة…بصمتها في حياتي سوف تكون حاسمة…

سيدتي…علي الآن أن أخبرك ببرنامج الزيارات والاستقبالات…بمواقيت الاستيقاظ والنوم…بأوقات الاستحمام والاستجمام…بلائحة الأفراد والأمكنة التي يسمح بالتعامل معها…كما هو معمول به هنا في القصر…بصوت منخفض أضافت إناس: ” لكن يمكن أن نقوم بتعديل طفيف إذا طلبت مني ذلك…سيدتي”…

إنها دقيقة في مواعيدها… متفانية في عملها…تعمل بكل إخلاص وجد حتى تنال رضاي…تلبي طلباتي قبل أن أطلبها…تقوم بجرد حاجياتي…تقرأ أفكاري…تسحبها مني…أرى فيها الماضي كأنها مرآتي..بل تقرأ فنجاني لتخفف عني آلامي…تقرأ لي قصصا…تذكرني بالزمن الجميل…زمن جدتي والأحباب…لا تنام إلا بعدي وتستيقظ دائما قبلي…كانت السعادة تغمر محياها كلما ناديتها باسمها…من خلالها اطلعت على عوالم لم أكن لولاها لأعرفها…علمتني إناس أن السعادة توجد حولنا…تكمن في الأشياء البسيطة…في الاسم الذي نحمله…والجسد الذي يحملنا…في خدمة من يكون محتاجا لنا…

ذهبت يوما لأتفقد أحوالها…بعد أن غابت عني كغير عادتها…اعترافا مني لإخلاصها وتفانيها…حملت لها القيثارة وعلبة الشكولاطة التي تحبها…رمقتها من النافذة الخلفية للغرفة البسيطة التي تسكنها…واقفة…تصلي لربها…تحمل في يدها إنجيلا وصليبا…فهمت أن إناس معتنقة الديانة المسيحية…فاجأتها بزيارتي الغير متوقعة…وبنظرات ملؤها الخوف والاستعطاف…طالبت مني عدم كشف أمرها…طلبت منها في المقابل أن تصلي من أجلي…فاطمأن بذلك قلبها…استمرت إناس في الدعاء…في صلواتها متنكرة…واستمريت في كتمان سرها…رأيت دموع العرفان في مقلتيها…زادت بذلك متانة روابطنا…حدثتني عن عقيدتها…وحزنها لفتور المحبة…عن حلمها للصلاة شكرا للرب يسوع…

أدركت من خلالها أن الإنسان رغم استعباده واستغبائه…يبقى ذلك المجهول…الحر الطليق…

فما أصعب أن يعبد الله في الخفاء كما العلن…وما أصعب أن يصلي المرء جاهرا أو متنكرا طول حياته…أدركت مدى جسامة الوضع…والثمن الذي قد يؤديه المرء بسبب الخوف…والتخوف…من الاختلاف…في وطن لا يؤمن إلا باللون الأوحد…ما جدوى الألوان إذن إن لم نعشقها؟…وما جدوى الأديان إن لم نسمح بها؟ …

فجأة، سمعت صوتا صارخا…أنهت إناس صلاتها مجبرة…”تبا لك إناس! كم كنت جاحدة… للأوامر عاصية”…خرجت إناس من الغرفة مسرعة…لتلبي نداء سايلا الغاضب من علاقتنا…لم يكن يريد لها أن تكون متينة…أحسست أن إناس المسكينة تعاني في صمت…وأن مصيرها في خطر…نتيجة رفضها للانصياع للأوامر…في لحظة قررت أن أخرج عن صمتي…وأواجه سايلا صديقي…كي أذكره بالذاكرة المشتركة المجروحة…بالماضي اللعين الأسود…بالحاضر الموقوت الملتهب…وبالمستقبل الوهم الغامض…وأذكره كم كان قزميا…بمخططه الجهنمي الذي أعده بلا هوادة للأصدقاء…رغم المحافل والكراسي والجاه والسلطة…لن ننسى سايلا المتنكر كل هذه السنين في جبة المناضل المزيف…لم يكن صديقي ليستحمل ما رآه وما سمعه مني…خرج من جحره كالوحش الكاسر…يهرول…يصرخ في وجهي…يضرب الأرض بقدميه…يستعين بحيل الحجاج المتلاشية…ينهال علي بالسب والقذف…يضرب بحلمنا عرض الحائط…يشهر في وجهي راية الخيانة…

أمام جبنه وضعف موقفه…لم يكن أمام سايلا الداهية…إلا الفرار نحو العدم…حتى لا يرى حجمه الحقيقي…ويفضح أمره علانية…(يتبع).

أترك تعليقك
0 تعليق

عذراً التعليقات مغلقة