محمد السقفاتي: الأمسترداميات الحلقة الرابعة عشرة

18 ديسمبر 2015

محمد السقفاتي: الأمسترداميات الحلقة الرابعة عشرة
ريف 24:
كانت خطبة الجمعة هذه فريدة من نوعها. فريدة لأن محتواها سينقل بالتفصيل إلى من لم يحضروا ذلك اليوم للإستماع إليها. ستصل حتى آذان من لم يسبق لهم أن دخلوا مسجدا أو ركعوا ركعة في حياتهم كلها. إنها فريدة حقا، لأنها ستبقى موضوعا لسنوات عداد وهو يسيل لعاب المستمعين ويحمس كلام الحاكين والراوين. لم تكن الخطبة في حد ذاتها من ذلك الصنف الرتيب لتبقى داخل أسوار المسجد، فتبعاتها كبيرة ومثيرة، فما ان تفوه الفقيه بالسلام حتى انسل علي إلى خارج المسجد وعشرات العيون تتابع خطواته حتى آخر خطوة مكنته من التواري كليا عن الأنظار.
لم يكن في استطاعة علي أن يتحمل هذا الواقع الجديد الذي تسببت  خطبة الإمام في خلقه وتشكيل معالمه المؤلمة والجديدة من خلال كلام قيل من فوق المنبر، فاختار الهروب والفرار.
كان أول ما فعله علي هو زيارة وسط أمستردام ليدخل عند الوصول أول حانة وجدها في طريقه. هناك سيشرب أول جرعة كحول في حياته. هناك سيكتشف حبا أوشك أن يكون فطريا لهذا المشروب الذي كان دائما يرفضه بدعوى أنه حرام. هناك أيضا سيبدأ إدمانه عليه إلى درجة أن علي لم يستطع أن يواجهه لينفك ويتخلص من قبضته المتحكمة عليه.
– فكرت أن أبدل اسمي علي  بمارسيل. فكرت أن أرتاد الكنيسة كل يوم أحد بدل المسجد، ولأنني دائما أفكر فقط ولا أبدأ في أي خطوة، فإني لم أستطع أن أتخلى عن الكحول لسنوات كثيرة حتى وجدت لها بديلا.. وها أنذا الآن، وأنت ترى وقد أدمنت على هذه المصيبة الكحلاء: الحشيش.
هكذا لخص علي ما وقع له وفهمت أنا أخيرا سر استعماله لجملة ” الفقيه حمار” المسجلة عليه كماركة خاصة به.
هكذا سمعت قصة علي تلك الليلة التي كنت فيها ضيفا في منزله لأول مرة وأنا عائد من زيارتي الأولى للحي الوردي. لكن ما لم أسمعه من علي وسمعته في جلسة مع شركاء أبي عن طريق الصدفة، وأكد لي نبيل صحة ما سمعته من أخبار لاحقا، هو أن أبو علي، الحاج بوربيع الذي كانت من عادته يوم الجمعة أن يبقى في المسجد بداية من صلاة  الظهر حتى ما بعد صلاة العصر، هو بدوره أيضا انسل من المسجد بنفس الطريقة التي انسل بها إبنه قبله، بعدما لم يستجب الله لدعاءاته وتوسلاته في أن تنشق الأرض من تحته وتبتلعه لشدة خجله من هذه الفضيحة التي سببها له إبنه.
قصد الحاج بوربيع منزله مباشرة وكان يأمل في أن يجد هناك علي ليلقنه الدرس الذي لن ينساه أبدا أبدا.. ولأنه لم يجد علي فقد وبخ أمه كثيرا وأنبها وقبحها على تربيتها لعلي ولأولادها الآخرين.. إنه نعتها على مسمع من أولادهما الصغار بأبشع النعوت. لكن أم علي، وقد فاجأتها الحالة الغريبة التي رأت زوجها عليها، انتفضت في وجهه وزاد ردها الطينَ بلة حين قالت واستعملت في قولها تعبيرا ريفيا:
– لا تحسب أنك رجلا، إنما أنت ذَكر فقط يا  ” الطّارع إيوثْمان” إنك لا تمتلك “هكذا ولو قطعة ظفر” من الرجولة لتدافع بها عن إبنك أمام الناس كي يشهدوا على رجولتك، وتواجه بها الفقيه الذي تجاوز حدوده. لو كنت حقا رجلا ومؤمنا لكان أضعف الإيمان أن تشبع الفقيه سبا وشتما أثناء الخطبة وأمام الناس حتى لا يستطيع أن ينسى. بعدها لك أن تنسحب وهامتك مرفوعة أمام الناس.
تركت كلمات أم علي جرحا عميقا في نفسية الحاج، خصوصا تلك الإماءة التي استعملتها مستعينة بالعض بشدة في حافة ظفر ابهامها تلاه مباشرة سحب يدها في سرعة وكأنها أبعدته من فمها نفظا، ( تركت ) وقعا كبيرا عند الحاج الذي رد على الإساءة بصب جام غضبه عليها.
دنا منها أولا وصفعها. لطم وجهها براحة يده مرات متتاليات، أسقط بفعلها حجابها وأرداها منبسطة على الأرض، ليجرها بعد ذلك من شعرها جرا على أرضية البيت وسط بكائها وعويل وصراخ صغارها الهستيري الصاخب..
بنبرة غضب عصبية أمر الحاج الجميع بلزوم الصمت. ولما لم يسمع أحد لأمره وتواصل البكاء والصراخ، زاد غيضه وتشنجت عصبيته، فسدد لكمة قوية على زجاج النافذة العريضة. تكسر المتران زجاج عرضا ومتر ونصف أفقيا وسقطت قطعه وشضاياه في الشارع.
أحدث هذا التحطم والانكسار صوتا مرعبا صار أقوى وأرعب بأكثر ضجة عندما تهاوى من الطابق االثالث، ولامس الرصيف.
ساهم تكسير النافذة في فتح المدى لفرار ذبذبات أصوات الصراخ والبكاء القوي إلى خارج الشقة ليصل صداها ويدرك مسامع حتى الجيران الساكنين بعيدا في العمارات المقابلة.
مباشرة بعد ضربته القوية لاحظ الحاج أن يده بدأت تنزف وتسيل دما، فثار عند رؤية هذا المشهد أكثر. قصد المطبخ وبدأ يرمي بالصحون والكؤوس وأدوات خزفية وحديدية أخرى ضاربا بها عرض الأسوار وسطح الأرضية والسقف. بعد أن كسر كل ما بإمكانه أن يتكسر، أمسك بسكين حاد جعلت الأطفال الذين استطاعوا أن يفروا، يهرولون الى الخارج. أم علي لم تستطع التحرك كثيرا واستسلمت لمصيرها وهي مستلقية وتراه يذهب الى غرفة نوم علي. اتجه الحاج مباشرة إلى خزانة ملابسه وبدأ في تمزيقها إربا إربا، قطعة قطعة، واحدة واحدة. حتى الصيوان لم ينجو من بطش غضب الحاج وعنفه الذي لم يتوقف الا بعد ان ارتطمت الشرطة بعنف الى الداخل  فأردوا الحاج بوربيع ساقطا على بطنه والقيود في يده دون أن يحس أو يشعر.
حين جروا الحاج جرا خارج الباب وهو يقاوم اعتقاله بكل ما أوتي من قوة، بدأت زوجته تلطم وجهها وتشد في هستيرية بشعرها محاولة قلعه وانتزاع من رأسها صارخة بالريفية، اللغة الوحيدة التي تعرفها:
– أقا ناش سامحغاس، تاكم إرحاج إينو ضرقماس، ( ما يعني: أنا سامحته، اتركوا
 حاجي واطلقوا سراحه)
لم تهدأ أم علي ولم تتوقف محاولاتها الهستيرية المتوسلة أفراد الشرطة الذين بقوا معها، ليطلقوا سراح زوجها، حتى وجدت نفسها وقد أجبروها أن تصاحبهم الى سيارة إسعاف وصلت توا لنقلها الى المستشفى.
عرف الشارع ذلك اليوم تجمهرا كبيرا للسكان الذين جذبهم ما حدث وسط أصوات صفارات سيارات الشرطة والمطافئ والإسعاف التي حضرت على وجه السرعة وبكثافة.
في نفس اليوم نقل إخوان وأخوات علي الى مؤسسة اجتماعية في مكان سري قصد الإهتمام بهم وتلقي العناية الضرورية جراء ما حدث..
رغم أن أخبار ما وقع للحاج بوربيع وعائلته انتشرت كالنار في الهشيم في الحي الذي يسكنه وانتقلت الأخبار بنفس السرعة الى الأحياء المجاورة، إلا أنها لم تدرك المسجد سوى نصف ساعة فقط حين جاءها المصلون من جديد قبل موعد صلاة العصر .
اعترت شحنات متوترة ومكهربة جدا الأجواء داخل المسجد الذي شهد طول الوقت مشادات وخصومات مختلفة.
ذُكر لي أنه مباشرة بعد خروج أغلب المصلين من المسجد بعد أداء صلاة الجمعة توجه الحاج اسي احمد وأبو نبيل ومعهم أبي وأوقفوا الفقيه. وبخوه كثيرا على فعلته وأكدوا له أن هناك طرقا أخرى انسانية لتحقيق نفس الشيء بدل إشهار أعراض الناس أمام الملإ ووسط الخطبة
– ليس هكذا يعامل فقيه دافع “الشاظ”، ليس هكذا يكسب الفقيه احترامه.
هذا المسجد بنيناه بأيدينا لأداء الشعائر الدينية فيه وتعليمها للناس ولم نبنيه ليكون مكانا يُتهجم فيه على الناس ويخلق التفرقة بينهم.
لم يرق الفقيه هذا الكلام الذي وُجه له بنبرة غاضبة شديدة، فدعى في عصبية ظاهرة كل الذين لازالوا حاضرين، في أن يأخذوا أمكنتهم من جديد داخل المسجد من ويستمعوا جيدا الى ما سيقوله الإمام في هذه النازلة، وفرض الحاضرون الآخرون على الحجاج الثلاثة المحتجين أن يجلسوا هم أيضا أمام الفقيه الذي القى خطابا مطولا تحدث فيه عن أنه لا يهمه احترام الآخر لشخصه بقدرما يهمه نشر الإسلام الصحيح، وأنه ضد المنكر أينما تفشى ومع الحق أينما وُجد، وأنه لن يتراجع قيد أنملة على أي مما جاء في خطبته، وروى للمستمعين في حماسة شديدة تفاصيل من حياته الشخصية قائلا بأنه جاء الى أوروبا لأجل حريتها التي تضمنها للكلمة بعدما تجرع في سبيلها في وطنه مرارة كبرى حيث أنه لم يخضع يوما لأوامر المخزن ولم يقرأ يوما خطبة كتبت له من طرفهم. تخللت خطابه دروسا في الإسلام وفي أسسه، بأن الإسلام جاء للقضاء على الجاهلية بكامل تجلياتها، وما الولاء لدم القرابة إلا وجها من وجوه هذه الجاهلية نفسها، وأسرد بأنه على المرء المسلم أن يسعى الى الخير ويكون ضد المنكر وإن كان قد صدر من فم أخيه، مشيرا بذلك الى علاقة القرابة التي تجمع الحجاج الثلاثة وجعلتهم يحتجون على الفقيه و ينحازون لجهة الحاج بوربيع الغائب.
زادت حماسة الفقيه وهو يرى الإعجاب يتضاعف على وجوه المستمعين لكلامه وهم يلفظون الآن جماعة كلمة ‘صحيح’ و كلمة “حق” عند انتهاء كل جملة يقولها، تماما كما كانوا يفعلون حينما كانوا يرددون “صلى الله عليه وسلم” أثناء الخطبة، أو ” آمين ” أثناء رفع الدعاء، غير أنهم الآن يلتفتون عند كل نطق بها ليس إلى السماء وإنما الى الحجاج الثلاثة الذين وقفوا مرارا من أماكنهم قصد قول شيء ما، لكن الموجودين في المسجد لم يسمحوا لهم بمقاطعة كلام الفقيه وهناك منهم من دعاهم جهرا الى احترام الإسلام  ويكفوا عن معارضة كلام الفقيه والإسلام الصحيح.
بدت في خضم الصراع وكأن الموازين القوية في صالح الفقيه الذي كان يخطب منتشيا، لكن الامور ستتغير ما إن يدخل المصلون الذي ذهبوا بعد انتهاء خطبة الجمعة الى منازلهم وهم الآن يعودون ساخطين على الفقيه لما تسببت فيه خطبته من مأساة والتراجيدية. انتشرت الفوضى في أرجاء المسجد وعمت أركانه، وعاد حتى التواصل غير ممكن بسببب اعتراض أغلبية الناس أن يتم النقاش بالعربية التي يتكلم بها الفقيه فبدا الأمر وكأن لا أحدا يسمع لأحد.
وحين حان وقت العصر رفض المؤذن أن يؤذن للصلاة كما يفعل دائما، وحين توجه الفقيه صوب المحراب ليؤدي الصلاة أمام المصلين دون آذان، رفض الأغلبية أن يملأوا الصفوف خلفه، وما إن بدأ الفقيه في التكبير بصوت جهور على خلاف كيف تؤدى صلاة العصر، بدأت تتعالى هتافات متكررة ب “أستغفر الله” “أستغفر الله” وهناك من لفظ بكلام نائب حتى وجد الفقيه نفسه مضطرا أن يتوقف ويترك الصلاة في بدايتها ليدخل في نقاشات حادة مع المحتجين كادت أن تتطور الى صراع لن يحسم إلا باستعمال الأيادي. لكن الفقيه حين وجد هذه المرة أن الأغلبية ضده، وان الامور تتطور كما لا يشتهي، انسحب هو وجماعته.
هذا الإنقسام الذي شهده مسجد السلام سيتوج بعد شهور بتشييد مسجد آخر في حي آخر من المدينة يحمل اسم “مسجد الإسلام” وسيعرف عند الكثيرين ب”مسجد الإخوانجيين” و ” مسجد المسيحيين “

أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.