محمد السقفاتي: الأمسترداميات الحلقة الثالثة عشرة

11 ديسمبر 2015

محمد السقفاتي: الأمسترداميات الحلقة الثالثة عشرة

ريف 24:

الأمسترداميات: الحلقة الثالثة عشرة

إنه شاب شأنه شأن الكثيرين من جيل أبناء المهاجرين الأولين . ولد في قرية جبلية عن بعد عشرت الكيلومترات من مدينة ميضار. لما وصل سن الدخول المدرسي وجد أبوه الحاج بوربيع نفسه مضطرا أن يُرحل عائلته الى المدينة الأقرب من قريته التي انعدمت فيها وقتذتك إمكانيات دخول التعليم المدرسي. ما كان أمام  الحاج بوربيع من خيار سوى أن يشتري دارا يأوي فيها عائلته ويستطيع علي والبقية من إخوانه وأخواته الذهاب الى المدرسة.

كما شأن أية هجرة، كان مفعول ه١ا الإنتقال كبيرا على شخصية علي، فما ان تكيف مع الطبيعة القروية حتى وجد نفسه مضطرا أن يعيد نفس العملية في مكان آخر، وبعدها وجد نفسه في سن الخامس عشرة من عمره مضطرا من جديد أن يعيد القدر الكرة معه وأن يرحل هذه المرة الى بلد آخر بعيد.

 لم يختر علي وجهة هجرته ولم يشارك في موضوع اختيارها. إنما طاوع أباه ورضخ لأمر ما، هو خارج حيز إرادته، إنه مصيره.

إذا كانت هذه التنقلات اوحدها كفيلة لتحول شخصا سليما الى شخص مريض نفسيا أو نفسانيا، فإن علي وجد نفسه من جديد أثناء إقامته بهولاندا، في نفس النقطة: هجران دار والديه اضطرارا ليسكن لوحده.

‘ الفقيه هو السبب’ قال علي.

إنه ذات المصير بنفسه الذي دوما يعترض طريق علي. مصير يتجسد في  أشكال مختلفة، لكن جوهره وا حد لا يتغير، فتتوقف عملية تكيفه على وضعية إثرا ليجد علي نفسه من جديد مضطرا أن يقدم على خطوة لم تكن أبدا في حسبانه، خصوصا وأن هجران البيت الأبوي في المهجر لا يحظى برضى الجميع إلا في حالة واحدة: الزواج.

ماعدا هذه الحالة فيعتبر الأمر حالة من حالات العصيان وشق عصا الطاعة، فيبصم الشخص بتهمة عدم الفوز برضى الوالدين، فيكون النبذ من طرف المقرببن هو النيجة.

إن تكيفه يبقى دائما ذات طبيعة مؤقتة. عملية تكرر نفسها لتجد علي وكأنه في خدمة التكيف بدل أن يكون هذه الأخير وسيلة فقط في يد علي يستند إليها في أخذ طريقه الى الهدف الذي سطره لحياته أو تركه فيي يد أخرى لتسطره.

يكثر الكلام حول جيل بلا عزيمة ولا اختيارات، عن أمة أصابها التخلف موعزين هذا مرة الى هجران الإسلام ومرة الى الإسلام نفسه أو عدم فهمه بطريقة صحيحة، ومرة أخرى الى النقص في العلم والمعرفة. لكن التقدم والتطور قدر طبيعي أكثر منه متتصنع ويأتي نتيجة تطورالإنسان  الطبيعي على أكثر من مستوى داخل بيئته الطبيعية. هذا ما تعلمته أنا بنفسي.

كيف لنا أن نتطور إذن وخفافيش القطيعة تحوم حولنا من كل جهة كخطر داهم ودائم؟ كيف سنتطورر وقرانا لم تتطور طبيعيا لتصير مدنا، أعرافنا لم تتطور بطبيعتها لتصير قوانينا، بشرنا لم يتطور ليصير إنسانا وعلي لم يعرف في حياته ما يسمى توازن أو انتقال طبيعي، ليصير شخصا آخرا وفي وضعية أخرى مما هو عليها الآن. حبل حياة علي يتسم بقطيعة بعد قطيعة، ببدايات متكررة دون نهاية. حتى زواجه فيما بعد، سيتم بنفس الطريقة، على شاكلة قطيعة ويكون يد مصير ما سيحدد..

علي شاب بسيط متدين على الطريقة التي وجد أباه عليها. كان يؤمن بأن الحقيقة مطلقة وأنها توجد في ثغر فقيه. ومن سيكون الفقيه إذا لم ينقل بأمانة ما قاله لنا الله. كان يعمل أربعين ساعة في الأسبوع حسب العقد الذي ربطه رب العمل معه، لكنه أدرك سريعا أنه بهذا العقد لن يتمكن من أداء صلاة الجمعة في المسجد، فغير لهذا السبب عقده بخفض عدد ساعات عمله الى اثنان وثلاثون ساعة بأسبوع. اكتفى بأقل كي يرضي أباه والفقيه وربه، لكن الأمور ستتغير عندما بدل المصلون فقيههم بآخر، لأن الأول لم يكن لديه صوت صادح يحسون معه أو بسببه بالخشوع في إيمانهم….

ذات زوال يوم جمعة وعلي يدخل المسجد لأداء الصلاة، بينما الفقيه الجديد كان منشغلا بتلاوة خطبته التي كتبها مسبقا على الورق، بدأت محطة عويصة من حياة علي. ما إن رأى الفقيه رجلي علي تطآن زرابي المسجد، حتى توقف صدح صوته وتوقف عن قراءته للخطبة. تابع خطوات علي باستهزاء ظاهر، حتى أن كل المصلين التفتوا الى الوراء ليعرفوا سبب توقف الفقيه عن القاء خطبة الجمعة ويعرفوا مصدر نظراته المشحونة بشيء من الغضب وكثير من الإزدراء. إنه علي، بشعره الطويل المتومج وبذلته المزركشة التي صنعت من حرير صناعي…

اشتد الصمت على المنبر وتكاثر ضوضاء الهمس بين المصلبن وهم يشاركون بعضهم بعضا في تنبؤاتهم حول أية تهمة أو جريمة بكون علي قد اقترفها. تكاثر بعدها الهمز واللمز فيما بينهم.

إنها سابقة تاريخية في هذا المسجد، أن تتوقف الخطبة ويطول الصمت المشحون قبل أن يدع الفقيه ورقة خطبته جنبا ويواصل خطبة من تلقاء اللحظة ، حول ضياع جيلل الشباب وانحرافهم واتباعهم للكافرين في ملابسهم وفي عاداتهم واعتقاداتهم.

واصل الخطبة على هذا الشكل وهو يسند كل كلماته بآيات قرآنية وأحاديث نبوية تطفو عليها صلعمات المصلين وتوحيداتهم لكثرة تردبده لاسم الرسول. بغتة انتقل الى توجيه خطبتهالى علي شخصيا  حيث اتهمه بالتشبه بالنساء وذهب الأمر بالفقيه الى نعته بالمخنث وأن الدار التي تأويه دار كافرة لا تمت الى الإسلام بصفة وأن الملائكة لا تدخلها قط بسبب اللعنات الشخصية التي تصدر من ذات الله ورسوله على المسترسلين من الرجال في شعرهم ولابسي الحرير منهم. صمت الفقيه لحظةوعيناه تبحثان في الصفوف عتى عثرتا عن الحاج بوربيع  بجلبابه الأبيض ووجهه المحمر من الخجل في أحد الصفوف. وجه له كلمات مؤنبة وحادة أزالت صفة الرجولية من شخصه قبل أن يسترسل في خطبته حول مشاركة الآباء في مسؤولية انحراف الشباب ومعاقبة الله لآباءهم قبل الأبناء بأشد العقاب. اختتم الإمام خطبته الإستثنائية هاته بتبرير كلامه بأنه قام فقط مقام الأب بالكلام الحسن والموعضة الحسنة على مسمع من علي. أكد أن أمام علي اختيار واحد وهو أن يتوب عن كبائره ويغير من مظهره وإلا فما عليه إلا أن يهجر ربه ودينه ودار والديه، ثم حرم على الحاج من الآن فصاعدا أن يكلم ابنه إن لم يطع هذا أباه طاعة كاملة لاتدع أي مجال للشك. أنهى الإمام خطبته بحديث نبوي: ” أَن النبِي صَلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَنَ الْمُخَنَّثِينَ مِنْ الرِّجَالِ، وَالْمُتَرَجِّلَاتِ مِنْ النِّسَاءِ ، وَقَالَ : أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ” وردد الجماة الأخيرة  في الحديث مرات متتالية قبل أن ينعت الشيطان ويستريح ليتنفس الصعداء ويطرد من صوته نبرة الوعيد لينهي خطبته بالدعاء وبعدها الصلاة.

أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.