محمد السقفاتي: الأمسترداميات الحلقة الثانية عشرة

4 ديسمبر 2015

محمد السقفاتي: الأمسترداميات الحلقة الثانية عشرة

ريف 24:

التحقنا بعلي ووجدناه في شبه وضعية مستلقية على أريكة بالية في الكوفي شوب المتفق مسبقا عليه. كانت شفتاه تمضغ سيجارته المضمخة بالماريوانا بشهية، بينما نظرته بدت غائبة وسائحة في افق الكوفي شوب. تغيرت سحنته وبدا الفرح على وجهه مباشرة وهو يرمقنا. عدل من جلسته وبدأ مباشرة في معاتبتنا على طول غيابنا عليه. طال الإشتكاظ والعتاب وتحول كما العادة الى مبارزة كلامية مع  نبيل.

علي هو من فصيلة أخرى، وأفكاره أيضا. لا يشبه نبيل الا في لباس الموضة الأخيرة.

له صديقة واستقر في علاقة معها منذ زمن طويل، لكنه من مرة الى مرة، قل بانتظام، يزور غرفة في الحي الوردي. يقول أنه يفعل هذا لأجل صديقته. حبا لها، يقول، بينما هي لا تعرف أي شيء عن زياراته المتكررة.

تبادلنا الضحكات الساخرة أنا ونبيل على أفكاره الغريبة فبدأ توا  في التوضيح:

– أقصد أن أي شاب يسكنه حب الفضول في اكتشاف كيف ستكون الممارسة مع الأخرى، وهذا الأمر طبيعي جدا وهو السبب الرئيسي في انهيار العلاقات وعدم استقرارها، تجده يتباهى بعدد شريكاته وبتغييره لهن  على الدوام، أما إذا حاولت أن تمارس حبك وفضولك في الزجاج الأحمر دون أن يعرف ذالك أحدا، فستُبقي على علاقتك مستقرة، وأكثر من هذا ستكون صديقتك بعد كل زيارة أشهى وأحلى…

لم يطل الحديث كثيرا حين أعلن علي انه منهك والوقت قد حان للإنصراف الى المنزل.   أنا كنت متفقا على فكرته وعبرت عن شعوري. نبيل بالمقابل لم يجد كلمات ليعبر واكتفى بصرخة:

– ويا للغرابة ! طوال الأسبوع والجميع ينتظر ليلة السبت هذه، وأنتما تريدان أن تعودا الى المنزل؟ محمد ابق معي أرجوك، سترى في ساعة واحدة أكثر مما رأيته اليوم بكامله. أبوك يعرف أنك معي ولن يقلق على غيابك. وأبي أنا، حتى إن لم يرق الحال له، فسأقول له أنني كنت معكما…

لم استطع أن أقبل دعوة نبيل. لقد فتك بي التعب من كل ما رأيته، لكنني في المقابل قبلت بدعوة علي في أن نمضي ما تبقى من الليل معا في منزله، بشرط قبول أبي على ذلك.

لذلك قلت لنبيل:

– إذا أردت أن تبقى هنا فافعل ذلك، وأنا سأمر أولا على أبي وسأخبره بأننا سنكون الليلة بالإثنين في استضافة علي، سأقولها في حالة ما إن قام أبوك بالبحث عنك.

لم أحس أنني تفوهت بشيء ما بعيد ما يكون عن الصواب، حتى أن ضميري بقي في سكونه دون أن يثور علي كما يفعل عادة بسب كذبتي هاته. إنها كذبة صغيرة أملتها تلك السيناريوهات التي مرت سريعا أمام غشاء عيني حول ما ستؤول اليه الأمور بين نبيل وأبيه، اذا شعر بغيابه واكتشف أنه لم يكن معنا.أحسست لأول مرة بدافع أن أحميه من أبيه في حالة إذا بحث عنه ولم يجده، ولو بتسخير كذبة، كما كنت أحس بدافع لمشاورة أبي وبحاجة اتفاقه، وكأني أردت أن أعيد لشخصيته هبة الأب الذي غاب طول كبري. وكأنني أجسد رغبة مكتومة بداخلي في أن يحضر الأب منذ الآن  ويتفاعل مع كل صغيرة وكبيرة تخص عالمي.

حين وصلت المنزل وجدت أبي والحاج اسي احمد والاثنين الآخرين الذين يسكنان معهما في صالون المنزل يتابعان أشواط فيلم أمريكي قديم يدور حول رعاة البقر، فيلم مدبلج بالالمانية على أحد قنواتها.

لاحقا فهمت أن القنوات الالمانية تحظى بشهرة كبيرة في أوساط الرجال من جيل الهجرة الأول، لسببين: كثرة بثها لأفلام العنف وللأفلام الإباحية الناعمة، كما يسميها الناس هنا من جهة ومن جهة أخرى يساهم عدم فهمهم لللغة الألمانية، الى تأويل وفهم قصة الفيلم  حسب أهوائهم وتصورهم الشخصي. هكذا يتقوى تفاعلهم مع الفيلم الذي يمنح لهم ديكورا من الصور الحية ليجعلوا منها مسرحا لقصة اختلقوها بنفسهم وأسقطوها على الفيلم.

حين انفردت بأبي أخبرته عن جولتي الرائعة وأخبرته عن كل الأمكنة التي رأيتها باستثناء مكان واحد.

لم يعارض أبي على فكرة ذهابنا أنا و(نبيل) الى دار علي.

قبل أن أخرج انتابتني رغبة في سؤاله عن  علاقة القرابة التي توجد بيننا وبين عائلة علي، لكنني استدركت الأمر بسبب قلة الوقت ولم أفعل.

على طول الطريق الى منزل علي مشيا على الأقدام، لم أنبس إلا ببعض الكلمات، ليس حبا فيها، وإنما قصد التغلب على لحظات الصمت الكثيرة والقاتلة بيني وبين علي. يظهر الأمر وكأن علي يتواجد في عالم آخر يحتاج فيه الى الصمت أكثر منه الى الكلام. وأنا أتحرك في عالم أحتاج فيه الى الإستماع كما أفعل مثلا مع نبيل، أو أحتاج فيه الى تبادل الكلام.

الصمت دائما يقهرني. لا أستطيع أن أتعايش معه في سلام. ما إن يلحفني بغطائه السوداوي الثقيل، إلا وتنتفض كلماتي محاولة قطع وصاله وخيوطه التي تحتبس لها أنفاسي. ولكن على؟ في ماذا سأكلمه؟ على المسجد الذي أرتاده ولا أراه فيه؟ عن علاقة القرابة بيننا التي لا أعرف عن تفاصيلها شيئا كثيرا؟ أأسأله عن صديقته ومن تكون؟ عن عمله؟

لم أجد فاتحة مناسبة للكلام، لكن طول الصمت المحرج جعلني أسأله دون أن أشعر:

– إذن أنت تسكن لوحدك؟

– إنها قصة طويلة، هذه مدة وأنا أسكن لوحدي مضطرا بسبب صراع تافه مع فقيه المسجد. إنه يشغل منصب فقيه لكنه بعقل حمار.

عقل حمار؟ ماذا يقصد علي بمثل هذه التعابير التي تميزه دائما في كلامه. لكن تلك النبرة التي قالها بها، الممزوجة بغضب عارم، وذاك الصمت الذي طفى على معاشرتنا بعدها طول الطريق إلى المنزل أربكني أكثر. أترى فتحت بسؤالي جرحا قديما لم يندمل بعد؟ أم تكون طبيعة علي التي لا أعرفها، هكذا؟

فكرت في امكانية أن يكون إحساسه اليوم قد تأثر بما تناوله فيما قبل من لفافات الحشيش والماريوانا. لكني التزمت الصمت.

لم يبادلني علي أي كلمة حتى سمعته يقول:

– هنا أسكن، في هذه العمارة توجد شقتي…

كانت شقته صغيرة لا تتعدى مساحتها أربعة وخمسون متر وتتكون من بهو صغير فتحت عليه أبواب كل من المطبخ والمرحاض وغرفة الاستحمام  وخلفه يوجد الصالون وغرفة النوم. كانت الشقة مؤثثة على كاملها. حتى التفاصيل الصغيرة من إنارة وألوان وكوادر معلقة وأشياء أخرى تجعلك تشعر وكأن علي تلقى مساعدة خارجية، ومن يد لها ذوق مفرط للتفاصيل وحتما لن تكون هذه اليد إلا يد الجنس اللطيف..

حين رآني علي وأنا أتأمل، قال وكأنه حدس جيدا ما كان يشغلني من أسئلة:

– أنا أملك ذوقا آخرا. هذا ليس بذوقي. أنا تكفيني في منزلي ثلاجة وتلفاز وسرير. لكن النساء صنف آخر ولا يقنعن بسرعة. لقد تركت صديقتي تتصرف في شؤون المنزل وأنت ترى النتيجة. أخجل لهذا كله، إنه مضيعة للمال وكل هذه الأشياء التي تراها لا تفيدني في أي شيء.

جلسنا على الأريكة الجلدية في الصالون وأشعل التلفاز ثم التفت إلي بغتة وكأنه نسى شيئا في غاية الأهمية:

– أعتبر منزلي كمنزلك، ماذا تريد أن تشرب؟ لا توجد عندي هنا لا جعة ولا نبيذا، لا أريد أن أسكن منزلا لا تدخله الملائكة. إذا أردت أن أشربهما فأخرج الى المقاهي في المدينة، لكن أبدا أن تدخل منزلي.

صمت هنيهة واستدرك:

– لكني أستطيع أن أهيء لنا كأس شاي أو فنجان قهوة.

بعد ان وضع ما هيأه على المائدة وأخذ مكانه على الأريكة وانشغل في لف لفافة من حشيش كتامي، سأل دون أن يحتاج الى سياق او الى أي مدخل:

– حدثني يا محمد، ما هي قصتك مع الفتيات؟

باغتني بهذا السؤال الذي طرحه علي دون أن يلتفت الي. سؤاله تسبب لدي في ضحكة لم أستطع أن أتحكم فيها.

– الفتيات؟ أي فتيات؟ سألته

– ظاهر عليك أن لديك حبيبة تركتها خلفك في المغرب. يجب أن تتخلى عنها، فهي لن تنفعك وأنت هنا. ابحث عن فتاة شقراء كي تقضي حاجاتك فيها. لكن قبل أن تبدأ في البحث، يجب عليك أولا أن تتخلص من شاربك، لا جدوى من البحث إذا لم تحلقه، فالفتيات هنا لا يعجبهن إلا الشعر الذي ينمو على رأسك..

قالها وانهمر في ضحك لم أعرف سببه.

راودني إحساس مقرف ولا يدعو لراحة بسبب اختياره لبعض الكلمات دون الأخرى. أهو نقص في المفردات عنده بسب مستواه التعليمي؟ أم أنه موقف حياة والمرأة بالنسبة اليه ماهي إلا وسيلة ليقضي رغباته وحاجاته ومكبوتاته بها أو فيها. هذا الإحساس بالقرف جعلني لم أجد صيغة في دخول الموضوع معه واحتضر سريعا.

لعلي تلفاز يحتوي على ما يزيد من ثلاثين قناة، لكنه بدل أن يختار واحدة منها أشعل الفيديو وشغل شريطا لتوم وجيري. استغربت للأمر لكني حاولت قدر الإمكان إخفاء استغرابي وعدم تفهمي لاختياره هذا. أريد أن تمر الليلة في سلام، ولكي أحقق هذا فما علي إلا مطاوعته في ما هو عليه وفي كل ما يفعله.

– شعرك كثيف ويميل الى التموج أكثر من شعري. أوصيك أن لا تحلقه، اتركه يطول فالفتيات يعجبهن الشعر الطويل وستدرك أن الشعر الطويل يساعد على الرقص أيضا.

بينما أنا أشرب كأس شاي إنجليزي، يتابع علي المغامرات المضحكة عند نقطة تلاقي قطبي الغباء والذكاء في فيلم توم وجيري،

وضع كأس قهوته أمامه ونساه أو تناساه. لم يأخذ لوقت طويل أية جرعة منه..

أحسست تلك الليلة بظلامها وهو يخترق دواخلي ويسبب في انطفاء كل الوهج الذي ادخرته اليوم كاملا واحتفظت به في قزحية عيني وذاكرتي.

تحسرت لاختياري. لِم لم أقل لنبيل، ‘نعم سأبقى هنا معك، جئنا معا، وسنعود معا ‘. احسست وكأني قمت بعمل خيانة لا يغتفر له، وضحكات علي ولفافات الحشيش وتوم وجيري المتحركين، كلهم، كل هذه الأشياء جعلتني أحس أني اقترفت خطأ كبيرا في حياتي. لم يكن علي ذاك الشخص الذي أحتاج إليه وبالضبط الأن، في هذه الآونة.

اكتشفت أن علي شخص من ذلك الصنف الذي يتكلم قليلا ويقصد أقل مما يقوله. ويحتاج دائما الى وقته كي يبدأ في محادثة أو يسترجع موضوعا لم ينهيه من قبل ليواصل الحديث عليه.

– من قبل، سألتني لماذا أسكن لوحدي وأنا قلت لك أنها قصة طويلة. فقيه المسجد كان السبب فيها.

– نعم

– إنه حمار

– حمار؟

– ألم تسمعني؟ نعم حمار، فقيه المسجد حمار

– لماذا هو حمار؟

– لأن أمثاله هم الذين يجعلون الناس يخرجون من دينهم.

– كيف ذلك؟

– أصعْب عليك فهم ما أقوله؟ أقصد يخرجون عن دينهم وكفى. هناك من يخرج عن دينه ويدخل دينا آخر، وهناك من يبقى يؤمن بالله ولكن يكفر بالفقهاء وإسلامهم، وهناك أيضا الملحدون..

أحسست بالذنب لأني سألته. الكلام مع علي صعب جدا، ولأني لا أعرفه جيدا فإني بقيت محتارا في أمره. أتكون هذه هي طبيعة علي الشخصية؟ أم هي فقط نتيجة تلك اللفافات التي دخنها طوال الوقت..

لكن علي شاب طيب. أعطاني سريره لأنام فيه بينما استلقى هو على أريكته. وفي الصباح لم يفقني إلا بعد أن أوجد فطورا بلديا بالبيض المقلي والشاي المنعنع.

لكن مع ذلك فالأمر استدعى جزءا كبيرا من الليل لأعرف تفاصيل قصته مع الفقيه والتي بدأت أطوارها تلعب ذات يوم جمعة قبل الشروع في صلاة الجمعة، وبالضبط أثناء الخطبة التي دار جزء منها حوله.

أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.