عبد الكريم أحمجيق: الدولة المغربية تسهر على قتل الأمازيغية بمدارسها

7 نوفمبر 2015

عبد الكريم أحمجيق: الدولة المغربية تسهر على قتل الأمازيغية بمدارسها

ريف 24:

الارتجالية، العبثية، التهرب من المسؤولية.. أوصاف وغيرها يمكن أن يُطلقها على الدولة المغربية أي متتبع لمسلسل إدماج الأمازيغية في المنظومة التربوية الذي انطلق منذ أكثر من عقد من الزمن. منذ قرار الدولة المغربية المصالحة مع ذاتها بالاعتراف بالأمازيغية مكونا لهذا الوطن ولهذا الشعب بدون استثناء في ذلك الخطاب الذي وصفوه بالتاريخي، استبشر المغاربة خيرا بإدماج لغتهم الأم في المدرسة بعدما غُيبت عنها وتعرضت لتهميش ممنهج للقضاء عليها والذي لم يؤتي بنتيجة إلا رسوخ هذه اللغة والهوية في جذور هذه البقعة الجغرافية.

إن إدماج الأمازيغية في المنظومة التربوية المغربية بمثابة غرس شجرة في تربة فاسدة لا تصلح للزراعة، فهذه المنظومة مريضة وأطباؤها في حاجة إلى علاج لاستئصال ورم العروبة الذي نخر ‘فكرهم’ ووصل بالتعليم في البلاد إلى الحضيض. وفي هذا المقام لابد من استحضار ما قاله الجزائري معتوب لوناس في سيرته الذاتية “المتمرد”؛ “لا أريد تدريس الأمازيغية في مدرسة مريضة، إن النسق التعليمي القائم هو الذي أفرز التطرف الديني والحقد والموت ..لا أريد أن أشاهد لغتنا تدرس داخل نسق تعليمي عاجز عن تدبير قيم أكثر أهمية كالحرية واحترام الآخر والعدالة والديمقراطية..”، بالرغم أن هذا الكلام قيل في المنظومة التربوية الجزائرية، إلا أن هذه الأخيرة لا تختلف كثيرا عن نظيرتها المغربية، إذ هناك قواسم مشتركة بينهما ومن أبرزها مبدأ التعريب الذي بُنيتا عليه.

منذ أن قررت الدولة المغربية تدريس الأمازيغية بمدارسها، انتبه الكثير من المتتبعين والمهتمين بخبايا هذا المجال، إلى أن الدولة تسعى من وراء هذه الخطوة إلى إسكات الأصوات الحرة التي تنادي بإدماج الأمازيغية في مختلف مناحي الحياة اليومية للشعب المغربي، وكذا استجابة للضغوط الدولية وفي مقدمتها منظمة اليونسكو التي توصي بتدريس الأطفال بلغتهم الأم.

ها قد مر أكثر من عقد من الزمن منذ ولوج الأمازيغية المدرسة إلا أن واقعها يزداد سوءا يوما بعد آخر، لا لشيء سوى أن الدولة لم تقم بواجبها حيال هذا المشروع واكتفت برمي الكرة بين أيادي مدراء الأكاديميات والنواب الإقليميين لوزارة التربية الوطنية، كل واحد منهم يتعامل مع هذا الملف وفق هواه وتموقعه الإيديولوجي.

إن الدولة المغربية تتحمل كامل المسؤولية فيما آل إليه واقع تدريس الأمازيغية، نظرا لتعاملها بمنطق اللامبالاة  مع هذا الملف، بل ويمكن القول أن الدولة سعت منذ البداية إلى إفشال وإقبار هذا المشروع، من خلال:

– الارتجالية في تعاملها مع ملف تدريس الأمازيغية: لابد من طرح سؤال عريض في هذا الصدد؛ كيف يمكن لدولة بين عشية وضحاها أن تقرر إدراج مادة دراسية جديدة في منظومتها التربوية؟ في غياب شبه تام للموارد البشرية المؤهلة لذلك، وكذا انعدام العدة البيداغوجية اللازمة لتنزيل وتفعيل هذا المشروع على أرض الواقع. فكان الأجدر بالدولة أن تأخذ الوقت الكافي لإعداد رؤية إستراتيجية مستقبلية لإنجاز هذا المشروع، وما التسرع في إنجاز هذا الأخير في غياب الشروط الملائمة لذلك إلا بنية قتل الأمازيغية مع سبق الإصرار والترصد في المنظومة التعليمية.

العبثية: عندما ندخل المكتبات نجد بين رفوفها بعض الكتيبات من قبيل “تعلم اللغة الفلانية في سبعة أيام”، على هذا المنوال سارت الوزارة الوصية مع ملف تدريس الأمازيغية بل وأكثر من ذلك، فعبقريتها تجاوزت حدود العقل من خلال برنامج “كيف تصير أستاذا للأمازيغية في ثلاثة أيام”، هذا ما يمكن أن نستشفه من خلال المذكرات الوزارية الصادرة في هذا الصدد – مع العلم أن أغلبها لم تُفعل –  إذ قامت بعض النيابات الإقليمية بدورات تكوينية للأساتذة الراغبين بتدريس الأمازيغية مدتها لا تتجاوز ثلاثة أيام، وهنا لابد أن نتساءل؛ كيف يمكن لشخص أن يتعلم لغة في هذه المدة؟ وما بالك بأن يصير مدرسا له؟ هل تعتقد الوزارة أن الأمازيغية تُختصر في تعلم حرف تيفيناغ؟ لا، فلهذه اللغة خباياها من صرف ونحو وتركيب ومعجم يصعب على الفرد اكتسابها في سنوات وما بالك بأيام معدودات على أصابع اليد الواحدة.

وفي الموسم 2013/ 2014، استبشر خريجو شعبة الدراسات الأمازيغية بمختلف الجامعات المغربية خيرا بعد تخصيص الوزارة لبعض المناصب للأمازيغية بالتعليم الابتدائي، لكن سرعان ما تبخرت آمال هؤلاء الخريجين بالسماح لجميع المجازين في مختلف الشعب بالتباري حول هذه المناصب الزهيدة، وهنا سنتساءل أيضا؛ ما علاقة الدراسات الإسلامية والفيزياء والقانون وغيرها من الشعب بتخصص الأمازيغية؟ وماذا سيُضيف المجاز في الدراسات العربية للأمازيغية؟ يمكن أ ن نصنف كل هذا ضمن خانة ألاعيب المسؤولين للقضاء على الأمازيغية والسهر على عدم تبوأها المكانة التي تليق بها في التعليم المغربي.

وآخر ما يروج من أخبار أن هناك مخططات في دهاليز الوزارة توحي بإلغاء تخصص الأمازيغية، والعمل على تكوين أساتذة الأمازيغية تخصص مزدوج (أمازيغية/عربية) أو (أمازيغية/فرنسية) ابتداء من الموسم المقبل، ويأتي هذا ردا على أساتذة تخصص الأمازيغية الذين رفضوا تدريس مواد أخرى غير مادة تخصصهم بعدما طلبوا منهم سد الخصاص في مادتي العربية والفرنسية كأن مادة الأمازيغية قد حققت اكتفاءها الذاتي من الأساتذة.

أضف إلى ما سبق، تعيينات أساتذة الأمازيغية أقل ما يمكن القول عنها أنها انتقامية انتهجت الوزارة من خلالها مقاربة تشتيتية تفريقية، بالرغم من وجود مذكرة وزارية صريحة في هذا الشأن (المذكرة رقم 14368، بتاريخ 10 شتنبر2013)، تحث على تعيينهم بالمدارس التطبيقية. وبما أن جل الأساتذة عينوا بعيدا عن مدن سكناهم، وبالتالي هذا يمكن أن يخلق مشكلا في الحركة الانتقالية الجهوية والوطنية، أكيد فالأستاذ عندما ستتوفر فيه شروط المشاركة في هذه الحركة سينتقل إلى مدينة إقامته وهذا ما سيُجهض تدريس الأمازيغية بالمدرسة التي كان يدرس فيها من قبل. كما أن المناطق النائية التي عينوا بها ذات كثافة سكانية ضعيفة هذا ما جعل عدد التلاميذ المستفيدين من الدرس الأمازيغي هزيلا.

أضف إلى هدا غياب العدة البيداغوجية التي من شأنها أن تُيسر عملية تدريس الأمازيغية، فالكتاب الأمازيغي مغيب من برنامج مليون محفظة. ناهيك عن المشاكل التي تواجه الأستاذ في عمله اليومي كالانتقال بين القاعات في غياب قاعة مخصصة له، ومنهم من ينتقل لعشرات الكيلومترات بين الفرعيات ليكمل عدد ساعات عمله.

بينما كان الكل ينتظر توسيع نطاق تدريس الأمازيغية أفقيا وعموديا لتشمل جميع المستويات الابتدائية، الإعدادية والثانوية أطل علينا مجلس عزيمان بنظرية جديدة ألا وهي الاكتفاء بتدريس هذه المادة  بالمستويات الأربعة الأولى من التعليم الابتدائي وفقط.

سيناريو مسلسل تدريس الأمازيغية بالمدارس المغربية أُلف دُرس بشكل دقيق في دهاليز الدولة قبل عرضه لعموم الجماهير بمقدمة مشوقة وعرض مأساوي وخاتمة ننتظرها من خلال إطلالة المخرج علينا بإعلانه موت الأمازيغية بالمنظومة التعليمية لأسباب نعلمها نحن جيدا، وبالتالي نهاية هذا المسلسل.

عبد الكريم أحمجيق

أترك تعليقك
1 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

  • mohammad al ahamjik