محمد السقفاتي: الأمسترداميات الحلقة الثامنة

6 نوفمبر 2015

محمد السقفاتي: الأمسترداميات الحلقة الثامنة

ريف 24:

الأمسترداميات: الحلقة الثامنة

بجانب العمل، يجد الآباء أن البقاء في البيت والذهاب الى المسجد من أهم الأشياء في هذا البلد، وعلى هذا الأساس يربون أولادهم. غالبا ما يكون هذان الإنشغالان مؤشرا على حسن التربية أو سوئها.

الكثير من الناس يفعلون هذا حقا بدل الذهاب الى مركز المدينة. يفعلون هذا ليس حبا في أسوار البيت أو المسجد ولا عبادة للله بإتيان الصلاة جماعة وفي أوقاتها، بل فقط لكي لا يجدوا أنفسهم مضطرين أن يدفعوا تكلفة السفر بالحافلات والتراماوات الى المدينة، ويوفروا التبعات المكلفة التي تنتج على دخولهم الحوانيت والمقاهي. هكذا يحفظون مالهم ويجمعونه إن استطاعوا اليه سبيلا. أيضا ، وهذا هو الأهم ، هكذا أجد أنا يومه السبت المبلغ الذي تقاضيته من عمل أسبوع بكل فلساته في جيبي حيث أني لم أصرف منها شيئا.

بعد منتصف يوم السبت وأنا في غرفتي منكب على كتابة رسالة بعد رسالة لأصدقائي وصديقاتي كي أستفسر عن أحوالهم وأصارع بالكتابة ما ينتابني من شعور بالغربة، سمعت ناقوس الباب وبعدها سمعت أبي يهم لفتحه.

في هذا المنزل، رغم أننا نسكن فيه بخمسة بنا، فأبي وأنا هما الوحيدان اللذان يفتحان الباب دائما. الحاج اسي أحمد لا يحب الضيوف ولا يستدعي أحدا الى المنزل. حين يعاتبه أبي على امتناعه عن فتح الباب متسائلا:

– وإذا كان الذي يدق الباب شخصا هولنديا وأتى وفي يده خير أو بركة؟

– أنا لا أتكلم هذه الهولندية الملعونة ولا أفهمها، لن أفهم ذاك الهولندي أو الهولندية، فلماذا سأفتح باب لصداع الرأس؟ رد الحاج اسي احمد متسليا

– وإن كنا نحن الذين ندق الباب لأننا نسينا مفاتيحنا وتركناها هنا داخل المنزل؟ كان سؤال أبي الثاني.

– إذا حدث هذا، تكلم الحاج اسي احمد وهو ينظر إلي وكأنه يوجه جوابه الي، ثم تابع…

– وأنا انصحك يا محمد لكي نبقى أصدقاء، أن لا تتعب نفسك أمام الباب. انتظرني في المسجد، فالله لم يفرض علينا خمس صلوات في اليوم هكذا بدون سبب. إنه فرضها لنلتقي في مساجده، وبعد الصلاة، سيفتح الله أبواب رزقه أمامنا، وأنا سأفتح بمفاتيحي هذه الباب لك.

قالها وهو يشير الىمجموعة من المفاتيح التي أخذها في يده اليسرى وحركها لترن.

الشخصان الإثنان المتبقيان لا أعرفهما جيدا، لكنهما يحبان أن يكونا ضيوفا عند الآخرين وعند عائلتهم، ‘ليس حبا لهم، لكن حبا لجيبهم’ يقول الحاج.

– أهلا خالي الحاج، أنهيتت توا توزيع جرائدي ليوم السبت وأتيت، سأساعد محمد وسأتوسط له لتوزيع جريدة السبت أيضا، وإذا أراد أن يعمل حتى يوم الأحد في توزيع الإشهار فلا مانع، لكني أرى أن الوقت غير مناسب الآن، عليه أن يتدرب أكثر حتى يعتاد، ثم بعدها سنرى.

سمعت أبي يشكره ونبيل يتابع كلامه:

– الآن جئت لأصاحبه الى أمستردام. الكل في المغرب يسمع ويتكلم عن هذه المدينة. إنها فضيحة أن يكون محمد هنا على بعد أقل من عشرة كيلومترات منها ولا يراها.

– سيرضى الله عنك يا ولدي لهذا الخير الذي تعامل به إبني..

أمستردام، كم أشتاق لرؤيتها ! وهاهي الفرصة تحين أخيرا.

ما إن سمعت نبيل يناديني حتى لبست معطفي وخرجت معه الى وجهتنا التي انتظرتها طويلا، لكنه أوقفني فجأة  ونحن سط الشارع قائلا:

– لدي مفاجأة وتنتظرك في موقف الحافلة التي ستقلنا، لكن قبل ذلك أريد أن أحدثك في شيء مهم.

-عن المشروع؟ سألت.

أدركت بعد ردي هذا الذي أتى بتلقائية مني أنها ليست المرة الأولى التي أقاطع فيها نبيل أو أخمن فيها ما يريد أن يقوله.

– المشروع ؟ أي مشروع ؟ عماذا تتحدث يا محمد؟ انسى كل ما قلته لك، لا يوجد أي مشروع، الآن يوجد فقط أنا وأنت ولاحقا ستلحق بنا المفاجأة التي تنتظرك، أفهمت؟

– نعم

– أبي…

– ماذا به؟

– البارحة، حينما فررت من أبي كي لا يشم رائحة الكحول فيّ بينما أنا أخرج من المسجد، احكي لي، ماذا قال لك؟ لا تقل لا شيء، فإني رأيته وهو ينفرد بك وتتحدثان معا لمدة ليست بالقصيرة. حين اختفيت عن أنظاره لم أذهب بعيدا. كنت أطل عليكما من ركن شارع مظلم. على ماذا تحدثتم؟

– عن شيئين: السبب في تأخرنا وعن السبب الذي جعلك تهرول وتتركني وحيدا.

نظر الي نبيل وكأنه يتفحصني، وكأنه يريد أن يثق بأني قمت بحمايته من جهة وأني من جهة أخرى لا أكذب عليه، فقال:

– مهما يكن، انسى حتى هذا الموضوع فهو لا يهمني، لكن عليك أن تعرف، وأنا أعرف أبي وأبي يعرفني: لا تثق فيه.

التزم الصمت لحظة وكأنه … وكأن كلماته وجدت نفسها محتارة بين الصمت والصوت، وتابع:

– كنت أسمع عنك وأنت تلميذ في ثانوية امزورن، سمعت على اضراباتكم وعلى الضحايا المساكين الذين سقطوا، سمعت على مداهمات المنازل ليلا وعلى المعتقلين وحتى على الذين قتلهم المخزن، كم كانوا؟

– تلميذان، فريد وسعيد.

-الله يرحمهما، كنا نتابع أخباركم وكنا كلنا متضامنبن معكم من هنا، باستثناء أبي. أتعرف ماذا كان يقول؟ كان يقول أن هذا المخزن ضعفت همته، لم يبق كما كان، كان عليه أن يعتقلهم كلهم أو يقتلهم جميعا، ويحل المشكلة دفعة واحدة. هكذا كان يقول أبي، اسأل أباك وستتيقن من كلامي. أبوك كان عادة ما يكون معنا ويسمع كل شيء، حتى في مشاداتنا يكون حاضرا.

نظر نبيل إلي وكأنه يهتم لأمري ومصيري وهو يضرب بيده على ساعدي كعلامة محبة وتقدير، ثم تابع:

– لديك أب جيد يا محمد. إنه الوحيد الذي يستطيع أن يقول لأبي: قف، فيقف. مرة دار نقاش في بيا حول الديمقراطية. كم أنا فخور بخالي الحاج. فخور به الى درجة لا تحد، آه كم يحب أبوك جوليانا ! لديه كل الحق، على الإنسان أن لا يعترف بدكتاتور يقتل شعبه. أتعرف ماذا قال له أبي حين احتد النقاش بينها وأبي لم يقبل بكلامه ودفاعه عن الديموقراطية التي لا توجد في واقع المغرب؟

– ماذا قال؟

– قال له: فليكن دكتاتورا، لكنه دكتاتور جيد وأنا معه، وإن استمرت في هذا النقاش فسأشي بك رغم كل ما بيننا.

– نبيل؟ لماذا تصارحني بكل هذا؟ لا أفهم السبب، إنه أبوك وسيبقى كذلك.

نظر نبيل حوله، تأمل في الفراغ أمامه بعض الشيء. ظاهر أن سؤالي لم يستفزه بتاتا وقال:

– أبي يشي بكل الاخبار عند القنصل، القنصلية أعطته بطاقة خاصة، سأريها لك يوما، أنا أعرف أين يخبئها. حتى جمارك المغرب لا يفتشون سيارته عند العبور، دائما يلوح بتلك البطاقة في وجوههم إذا ارادوا أن يفعلوا، أتعرف حينئذ ما يقع؟

– ماذا؟

– يخلون سبيله ويقدمون له التحية كما أن شأنه بينهم عظيم.

قالها وواصلنا طريقنا.

محمد السقفاتي

كلمات دليلية
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.