محمد السقفاتي: الأمسترداميات الحلقة الرابعة

9 أكتوبر 2015

محمد السقفاتي: الأمسترداميات الحلقة الرابعة

ريف 24:

الأمسترداميات: الحلقة الرابعة

لسبب ما استحضرت حادثة وقعت سنواتا بعد محادثتي هذه بينما أنا جالس في مقهى مغربية في أنتويرب البلجيكية رفقة نبيل نفسه وبعض الشباب البلجيكي من أصل مغربي. المقهى كانفي ذوق وبرائحة المقاهي الشعبية في القرى النائية، في الريف العميق سنوات السبعينات والثمانينات من القرن الماضي. كنا نتبادل أطراف الحديث وبعض الطرائف حين التحق بنا شاب آخر وفي عقله شيء ما أتى لأجل قضائه..

مباشرة بعد جلوسه قاطع حديثنا سائلا دون أن يرى في ما قام به خرقا ما ويستلزم على الأقل استسماحا:

– لقد وجدت عملا في المدينة وغدا سأبدأ، لكن يجب علي أن أتوفر على دراجة هوائية وإلا فلن أصل مقر العمل أبدا، أتعرفون شيئا تساعدونني به، أنا في شدة الحاجة.

رد عليه شاب من الصحبة، وكان، وكأن نبيل هو من يتكلم:

– الأمر هين جدا، كم لديك في جيبك؟ كم تمتلك من نقود؟

– أربعون أورو، رد الشاب

– يا للفضيحة القاعدة هنا معنا. تمتلك أربعين أورو وهي لا تزال تسأل عن دراجة؟ ماذا بك؟ هل أنت رجلا؟ هل أنت حقا مغربيا؟ هل تظن أننا لصوصا؟ ستسمع مني نصيحة واحدة، خذ نقودك معك واذهب الى الحانوت، اشتري كسارة سلاسل قوية وبعدها ستكون كل دراجات المدينة مِلك لك… واحفرها في رأسك: نحن لسنا لصوص.

انصرف الشاب توا وغادرس المجلس

ضحكنا وضحكنا…بينما الشاب كان يتابع شرحه: إنه غبي ويظن أنني سأنهض من مكاني هذا وأترك هذه المعاشرة لأجل أربعين أورو! ستتسخ يداي فقط، فليقم هو بما ينتظره مني أو منكم..

الدراجة!

بدون دراجة لا أستطيع العمل، وأنا والدراجة عالمان منفصلان. فقط في بعض الأيام من عطلة صيف، كنت أركبها بعدما حصل صديقي وجاري سعيد على دراجة هولندية من أبيه الذي زار ذاك الصيف عائلته . استعرتها منه وركبت عليها. كل مرة كنت أفقد توازني وأسقط أرضا إلى درجة أن جلدي انسلخ من على راحة يدي وتهشمت ركبتاي ومرفقي أذرعي وتمزقت حتى ملابسي من تلك الأمكنة.

حواري مع نبيل دار يومه الخميس. أتذكر هذا لأنه لم يكن فرحا بهذا، ولا بالمهمة التي حملها على عاتقه في أن يدلني على الطريق وخصوصا في هذا اليوم. قال لي بالكلمة:

– طوال الأسبوع وأنا انتظر خصيصا هذا اليوم، في الخميس تكون الحوانيت في المدينة لا تزال مفتوحة حتى التاسعة ليلا، وبعدها تمتلأ المقاهي والملاهي بالفتيات، وأنا عادة أذهب مع أصدقائي إلى المدينة، لكني اليوم أحس فيه وكأني سجين معك، لا أستطيع أن أذهب ولا أقدر أن أتركك وحيدا…

قالها بحيرة مصحوبة بنبرة تأسف وتحسر شديدة.

التزم نبيل الصمت بعدما أفرغ ما حيره.  تمنيت في لحظة الصمت هاته أنه سيفكر في إمكانية أن يصاحبني معه الى المدينة، مادام أنه لا يستطيع أن يتركني هنا ويذهب هو إليها، لكن أملي غرب سريعا وأنا أسمعه يتابع، وكأنه أخذ القرار مسبقا:

-ولا أستطيع أن أصحبك معي الى أصدقائي وأنت على هذه الحالة، قالها مشيرا بيده الى ملابسي وحذائي وشاربي الذي رافقني كل الطريق في مراهقتي، من إمزورن الى محيط أمستردام.

أدهشتني طلاقة لسانه والصراحة في خطابه المباشر. لكن سنوات بعد هذه الواقعة، وأنا ألاحظ اني أيضا أستعمل نفس الصراحة في كلامي، فهمت بأنها مجرد أسلوب معين يناسب انخفاض هذا البلد الذي أواني. إنها طريقة تعبير هولندية، لا أقل لا أكثر. لا سوء نية ولا حسن نية فيها، قل فقط ما تريد أن تقوله دون لف أو دوران، هكذا مباشرة..

لم يذهب نبيل إلى المدينة وبقينا في شوارع الحي الذي يسكنه حتى رجعنا الى المنزل لأجد أبي ينتظرني.

مساء يوم الجمعة زرت المسجد، هناك ألتقيت بنبيل مرة أخرى، لكن هذه المرة في فرحٍ مَرِحٍ. لقد كان سباقا لي وكان هنا مدة قبل أن أجيء. رآني حين كنت وحيدا، لكنه لم يأتي. انتظر حتى وجد أبي بجنبي فجاء يصافحنا ويزف لنا الخبر بالإثنين:

-خالي الحاج، لقد وجدت لإبنك عمل معي، يوم الإثنين المقبل سيبدأ إن شاء الله، ويوم الأحد قبله سأصحبه معي لأريه الحي الذي سيوزع فيه الجرائد، أريد أن تتسهل عليه الأمور ولا يجد أية متاعب يوم الإثنين المقبل حين يشرع في مهامه…

أبي كان فرحا جدا لهذا الخبر وشكر نبيل شكرا جزيلا على مرأى ومسمع الوافدين على المسجد، حتى انهم التفتوا الى نبيل بنظرة مستفسرة ما يكون سبب هذا.

أنا اندهشت وأصابني بعض الإرتباك. أخذت بنبيل من يده وابتعدت شيئا ما كي لا يسمعنا الآخرون:

– لماذا هذه السرعة وأنا لا أتوفر على دراجة؟

– الدراجة ليست بمشكلة، غدا ستكون موجودة

– لكني لا أعرف كيف سأركبها، قلت.

ارتبك نبيل من كلامي وكأنه تلقى مني صفعة قوية على وجهه فبدأ يتلعثم ويصارع جاهدا ارتباكه الظاهر:

-لِم لمْ تقلها لي من قبل، أنا الآن عاهدت رب العمل انك ستبدأ الإثنين وأنها مسؤوليتي، إن لم تبدأ فسأكون أنا مجبر أن أوزع جرائدك بيدي وستكون الفرصة في أن تكون عاملا تحت أمر رب العمل، صديقي هذا، ضئيلة جدا جدا.

فكر قليلا وبدا تفكيره مشوشا بعض الشيء.

– سنجد حلا لهذا، اسمع لي، غدا سأكون قد وجدت دراجة لك، وسآتي عندك. يومين ستكون كافية لأن تتعلم ركبها.

وسمعته يتابع كلامه وكأنه يوجهه لنفسه هذه المرة، في مونولوج عتابي مؤنب لضميره:

اتفوووا…أمسية الخميس راحت لي والآن تضيع أيضا نهاية الأسبوع مني..

زوال يوم السبت أتى نبيل مصاحبا صديقا له من أصل تركي وكل واحد منهما راكبا دراجته. التركي لم يصافحني ولم يحاول حتى أن يتبادل كلمة معي، ونبيل لم يُقْدم على تعريفنا على بعضنا البعض. فقط وجه كلامه بريفية فصيحة إلي:

-لقد وجدت الحل لمشكلتنا، هذه الدراجة، مشيرا الى دراجة التركي، هي لك، إنها دراجة صغيرة، دراجة في الحقيقة مقصودة للأطفال الكبار، وأنت كبير عليها وأعرف هذا، لكن فائدتها تكمن في أنك لن تسقط عنها، إذا أحسست أنك بدأت تفقد توازنك، فانزلق بعض الشيء الى الأمام من مقعدها وضع رجليك على الارض، هكذا…أنظر جيدا. إني اخترتها لك لهذا السبب. إنها أيضا دراجة للنساء كما ترى. لا يوجد فيها القضيب  الذي يربط المقعد بالمقود، وهذا يسهل أمر الإنزلاق من مقعدها والنزول منها، انظر إلى دراجتي، هذا القضيب يُصَعِّب مسألة نزول كهاته، وقد يجرحك في “حوائجك”.

فكر مليا وتابع:

– هناك لا توجد سيارات كثيرة، حاول أن تتعلم في تلك الحديقة، ضع الثقة في نفسك، وإن امتطيتها فلا تنظر الى عجلاتها، يجب أن تكون واسع التفكير، انظر الى الأفق المفتوح أمامك وستعلم ركبها بسرعة، وأستسمح لك، لقد اتفقت مع هذا التركي لنخرج معا، لكن إذا سألك عني أحد فلا تقل له أنني تخليت عنك، أو انني تركتك وحيدا، قل: جاءه صديقه فذهب توا وسيرجع حالا..

لم يكن لدي أي خيار، لكني أحسست بانني قد أتحكم على هذه الدراجة  وأستطيع أن أركبها كما كنت أركب البغال في قريتي حين كنت صغيرا..

نصائح نبيل كانت مفيدة، شيئا فشيئا أحسست أنني لم أعد أصارع الدراجة وإنما نحن إثنان جنبا إلى جنب في جبهة واحدة، تساعدني الدراجة وأنا أساعدها، أساعدها وتساعدني، نتعاون معا لخلاص جلودنا من هذه المعركة التي قد تصير مع كل سقوط، دموية كما الحال كان مع دراجة جاري سعيد.

أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.