الأمسترداميات: الحلقة الثالثة

2 أكتوبر 2015

الأمسترداميات: الحلقة الثالثة

ريف 24:

بعد دقائق معدودة عاد النادل ليضع كأس جعة على طاولتي قائلا:

– ها هي أمسترداميتك سيدي.

 قلت في نفسي : مادام هذا الشيء الموضوع على طاولتي أمستردامية فلن تكون هذه سوى  واحدة من إثنتين: الحاوي أو المحتوى، الكأس أو الجعة.

لكن أمر الأمسترداميات اتضح لي أكثر في وقت آخر. كنت آنذاك مهتما بالشأن السياسي المحلي لأمستردام، حين اندلع نقاشا طفا على كل المحارب. كان النقاش حادا وكان موضوعه: الأمسترداميات.

المعارضون لها أتووا بحجج أن الأمسترداميات تشكل إخلالا بالأخلاق العامة وهي ضد تطلعات وتصورات السكان المستقبلية لهذه المدينة، وأن المدينة تعاني من الصورة التي خلقتها بنفسها وصادرتها خارج حدود الوطن والتي تتركز على محور الجنس والمخدرات و “اشطيح وارديح” Sex) , rugs , Rock & Roll ،) وأن الأمسترداميات في شكلها القضيبي الذكوري انما هي في تعارض تام مع كرامة وحرية المرأة المكتسبة عبر نضالات طويلة لأجيال متعددة، وأنها تشكل إهانة جلية للشكل الانثوي، ثم أنها تجذب نوعا من السياح بالملايين والمدينة لا حاجة لها إليهم وستكون على أفضل الأحوال بغيابهم.

استنكر المعارضون أيضا كيف لمدينة كأمستردام أن تجعل من قضيب بثلاثة علامات، سلاحها ورمزها، وطالبوا بحذف الأمسترداميات من شوارع المدينة كما طالبوا أيضا بتنظيف الأزقة منها.

في حين دافع المساندون عن الأمسترداميات بحجج أنها لا تشكل إلا رمزا وسلاحا للمدينة تكَوّن عبر التاريخ وفق تطور طبيعي للمدينة ويعبر هذا السلاح على إرثها التاريخي الذي يجب الاحتفاظ به والمحافظة عليه كما هو، وأن المعارضين إذا رأوا في الأمسترداميات شيئا يشبه القضيب فتلك مشكلتهم، إلى جانب هذا أكد المؤيدون أنهم سيدافعون على سلاحهم وعلى رمز مدينتهم وسيحمون فخرهم وتراث مدينتهم بكل ما أوتي لهم من طرق وقوة، ودعوا المعارضين الى أن يبحثوا عن عيادات علاج لكي لا يُسقطوا صورهم المرضية على شيء جامد من حديد ومحايد ولا علاقة له عن قرب أو عن بعد، بالقضيب…..

حتى أنا كان لي رأي في هذا. في الأول اخترت الجهة التي تواجدت فيها الحركات النسوية والمحافظين والمتدينين، لكن بعدها وأنا أفكر في كيفية تعاملنا نحن مع تراثنا في وطننا الحبيب، بالإهمال والتناسي، قلت: لا، لن نترك أي شيء يُقتلع من شوارع المدينة. عندذاك التحقت بالمدافعين عنها.

في الأيام التي تلت، احتد النقاش أكثر فيها وانتقل موضوع الأمسترداميات من جدل على التلفاز وفي الجرائد، الى شكل جديد التحقت به فئات اجتماعية جديدة من رسامين وفنانين، وتوج هذا الشكل بخطوات عملية، حيث قامت مجموعات بتشويه الأمسترداميات وتحويلها الى أقضبة ذكورية حية، بإضفاء لبعض التفاصيل الصغيرة، كالألوان والتجعدات والظلال، عليها.

سريعا تطورت الأمور وتصاعدت إلى درجة أن الجدل حول الأمسترداميات انتقل الى الشارع وشهدت المدينة حينها حالات ذعر نتجت عنها اعتداءات على هذه الأمسترداميات، فهناك من اقتلعها ورماها في الوديان التي تعج بها المدينة وهناك من اقتلعها من أماكنها وخزنها في المنازل وأماكن أخرى تحت ذريعة الدفاع عنها للإحتفاظا بها.

تصعدت الأمور أكثر وجعلت مواطنين وشركات من مدن أخرى تقوم بكل ما في وسعها للحوز على أمستردامية أو عن بعض نماذج منها ونشأت لهذا الغرض أسواق سوداء كثر الطلب فيها عن ما يعرض فيها. هكذا صارت الأمستردامية عرضة للخراب والاندثار على أيادي المعارضين كما على أيادي المؤيدين.

لم يبق في النهاية أي خيار للساسة سوى التدخل في هذا الموضوع وحسمه بصورة حازمة في إطار أروقة الديمقراطية التي تعودها صنع القرار في هذه المدينة.

كان القرار في النهاية حاسما، سيتم الإحتفاظ بالأمسترداميات وبالمصنع الوحيد من نوعه في العالم الذي يصنعها ويوفر للمدينة كثيرا من وظائف العمل، وستبقى الامسترداميات رمزا للمدينة وسيعاقب كل من مس بها وتجرأ على اقتلاعها، كما اتفق الساسة في أن يُغَيروا لونها من البني إلى البني الأحمر، كي يقف اللون عقبة في وجه الإيحاءات الجنسية التي يستمدها البعض منها.

بعد هذه الضوضاء الكبيرة وبعد مرور أيام كثيرة عادت أجواء المدينة الى سكونها، لكن الضرر كان قد لحق بها. قبْلا كانت الامسترداميات تحافظ على سلامة الراجلين وكان إذ تعب متجول، يتكأ عليها أو يرمي أفخاذه الخلفية عليها دون أن يثير المنظر أي شبهات، والآن ما إن يقترب شخص منها حتى يلفت انتباه الناس وكأنك تستعين بقضيب. وذهبت الأحكام الى حدود أبعد، فإذا كان الفاعل رجلا مثلا، فستقع عليه بلا شك شبهة المثلي مثلا.

نتيجة لهذا التصارع، تقلص حسب الإحصائيات عدد الأمسترداميات من مائة الف كانت تتواجد سنة 1980 إلى أربعين ألف بقيت في سنة 2010 .

يجدر الذكر في هذا السياق أن الامسترداميات ظهرت أوائل القرن السابع عشر وكانت عبارة عن سطول تملأ بالرمل وتوضع على رؤوسها في الأرض حماية لأركان وزوايا المنازل من العربات التي تجرها الخيول. في وقت لاحق تحولت الى أعمدة حديدية لحماية الشوارع والمتجولين من السيارات. ولما كانت بقدر كبير من الأهمية، جعلوها أيضا تحمل رمز المدينة وسلاحها..

الأمسترداميات أعمدة حديدية وقد صُنعت حتى كؤوس الجعة على شكلها وبذلك تحمل هي أيضا إسم الأمسترداميات، إنها الرمز، وتلخص جزءا من تاريخ لمدينة ساحرة سنفككها الى أجزاء صغيرة ونعيد تركيبها. سنكتشفها من جديد وسنكتب سحرها. يوما ستكون خفيفة ويوما ثقيلة، يوما بالتفصيل وآخر بالجملة، يوما ستحمل الهم ويوما لن تبالي وستسرح فيه في البهاء وتحيى. هذه هي الكتابة. أعرف أن الحديث المطنب عن الأمسترداميات سيفقد هذه القصة شيء من جمالها، لكن اذا لم تنتبه لعشرات الآلاف من الأمسترداميات وانت تتجول في هذه المدينة، فإنك لن تنتبه الى كثير من التفاصيل حول حياة ابن خالي، وأكيد أيضا انك لن تفهمها إذا لم تصغي لحياتي أنا.

*****

كنت أستمع إلى محمد، هذا السيد الذي اقتحم عالمي دون أن يعرفني مسبقا. كنت أستمع إليه، لكن هذه المرة بشيء من الإرتياح بعدما كان كلامه من قبل يزعجني أيما إزعاج. كان يزعجني بطلباته الكثيرة مني وأكثر، بلهجته السلطوية المتسلطة. لكني اكتشفت في هذا الوقت القصير وهو يملي علي قصته، بأن ما يجمع بيننا أكبر بكثير مما قد يفرق بيننا، بداية من التجريب وطريقة المعايشة للأحداث المختلفة التي نمر بها كفردين مخلفين في هذا البلد. بداية من الغربة التي نتواجد فيها نحن بالإثنين مع ذلك الإحساس بالإغتراب الذي يطبع أيامنا.

النَّوى والبُعدُ، النزوح عن الأهل والوطن، حدة الوَحْشَة، الهجرة… كل هذا نضعه تحت مسمى واحد: الغربة.

تتعدد أسباب الهجرة، وتتعدد طرقها، لكن الغربة واحدة. إنه حنين شديد ممسوك فيه بأسنان حادة، الى شيء ما تركناه خلفنا، إحساس يكون عادة مصحوب بسأم وملل وكآبة تجثم كلها، بثقلها علينا. كسحابة سوداء حاملة، في جو لا ريح فيه تهب وتبعدها عنا. وبينما هي تتقوى وتشتد، يزداد الحنين ويبالغ في عضه لنا. فنحس بأننا مكتوفي الأيادي، فاقدين للعين والبصيرة.

في الغربة ستمثل نفسك وكأنك تهبط على سلاليم طويلة في بئر عميق، مع كل درجة وخطوة، يقل الضوء والهواء وتكثر العتمة حولك وينفجر في داخلك الشعور بالإختناق وأنت لا تملك حيلة، تنظر ولا ترى، تنصت ولا تسمع، تصرخ بدون صوت، وفي صمت تتآكل من الداخل وتنطفئ شعلتك ببطء، شيئا فشيئا، درجة درجة… والسلم الذي اخترته طويل، ودرجاته كثيرة.

فكرت في بوليس الإستنطاق، في المهام المنوطة إليهم، في إهانتك، في إذلالك، في ضربهم المبرح لك، في تعذيبهم، في صرختهم النشوية وهم يرون أنك تتكسر من كل الجهات وتنكسر، عزيمتك، شرفك، قوتك، حلمك، نفسانيك، كبدك وجلدك، داخلك وخارجك…

هكذا وجدتني يوما من الايام من الأسابيع الأولى، في هذه الحالة: حالة الغربة.

والعائلة التي أنا الآن في أحضانها أو بين أنيابها تعرف كل هذا، لقد مر كل أفرادها تقريبا بنفس التجربة. حين يرون على سمات وجهك علامات شروع التكسر وبداية الإنكسار، يطوفون حولك ويحومون عليك، ثم يجعلون من أنفسهم مدرسة لك، المدرسة الاولى في الهجرة بين أحضان العائلة.

-هذه الحالة التي أنت عليها الآن، لا تبشر بأي خير، يجب أن تبدأ حياتك من جديد، ولكي تبدأ يجب أن تنسى. ليس مهم هنا ما تعلمته في المغرب ولا يهم أصحابك.

هكذا تكلم ابن خالي نبيل الذي هو أصغر مني سنا، في إطار المهمة التي وضعتها العائلة على عاتقه كدليل لي في هذا المجتمع الجديد. كان نبيل ينظر إلي بين بسمة وبسمة، بشيء من الإستخفاف الذي يحاذي في بعض المرات ما أحس به كاستهزاء، مرفوقا بثقة نفس كبيرة ومتكبرة،  ليتابع ديباجة مهمته:

-وفي الحقيقة حتى العائلة هناك لا تهم، إنها تهم فقط حين يصل شهر يوليوز وغشت. إذن، اسمع لي جيدا، الدرس الأول هو..

-إنس كل شيء، قاطعته أو أكملت كلامه

-صح، إلا اللغات التي تعلمتها هناك في المدرسة، لا حتى تلك اللغات انسيها أيضا، فهنا لن تنفعك العرببة ولا الفرنسية. أتعرف ماذا ينفع هنا؟ شيئان فقط :المال وحسناء، ومن الأفضل أن تكون شقراء، فمعها ستتعلم كيف تكون رجلا وستعلمك اللغة الهولندية حتى دون استعمال الكلمات. ستعلمها لك عن طريق حلمتيها، وشفتيها..ستمتص تلك اللغة الهولندية من جسدها، هكذا، مباشرة..آه، كنت أريد اليوم أن أصطاد واحدة، لكنك معي، وبهذه الملابس سيهربن  كلهن منا، سيظنن أننا متسولين أو لصوصا نريد أن نبتز منهن نقودهن أو محافظهن.

بينما أنا كنت أسمع إليه وفي نفس الوقت أحاول أن أفكك الألغاز التي تحملها كلماته، بدا لي نبيل وهو يفكر عميقا، كان قد سها أو غرق في العمق في تفكيره، لكنه تخلص من اللحظة واستدار بوجهه إليي ليتابع كلامه بجدية مبالغ فيها:

-أتعرف، العمل هو الحل، يجب أن تجد عملا يجعلك مستقلا عن أبيك، يجب أن تحصل بنفسك على مصروف جيبك وتشتري الملابس التي تريدها بنفسك ويجب عليها أن تستهوي الشقراوات حتى يكون الإصطياد سهل علينا، أنظر الى ملابسك، إذا تفحصنا كل ما ترتديه، فلن يتعدى مقدارها بمائة الف سنتيم مغربي، وانظر الآن الى ملابسي وأحذيتي الرياضية هاته، أتعرف بكم هي؟ فقط هذه القلادة بمليونين، إنها لا تسمى هكذا دون سبب بقلادة الملوك، أنظر كم هي غليظة صفائح ذهبها، وهذه الاحذية ب..

كنت في الغربة، أنظر ولا أرى، أنصت ولا أسمع…وكان نبيل يتابع عده وجمعه وضربه وطرحه.

-العمل مهم، قلت

-أترك العمل لي، أنا الذي سأتوسط لك فيه، أربع سنوات وأنا أعمل مع نفس رب العمل، ثلاث مرات وأنا أدخل السجن وكل مرة أخرج منه، أجده ينتظرني وأعود الى عملي بكل ترحيب. أعرفه ويعرفني، إنه يبحث عن شباب جدد ليوزعوا الجرائد، العمل سهل جدا، ساعة أو ساعتين في الصباح ومثلها في المساء، يجب أن تجد دراجة فقط ولا تحتاج الى اللغة…ويمكن لك أن تبدأ متى شئت..

محمد السقفاتي

لقراءة الحلقة الاولى اضغط  هـنـا

لقراءة الحلقة الثانية اضغط  هـنـا

كلمات دليلية
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.