الأمسترداميات: الحلقة الثانية

25 سبتمبر 2015

الأمسترداميات: الحلقة الثانية

ريف 24:

الأمسترداميات: الحلقة الثانية

يا لسخافة هذا الزمان! يا لها من سخافة! كيف لهذا الشاب أن يتجرأ ويصل به الأمر إلى هذا الحد ليطلب مني ما طلبه؟

هذا أمر يثير السخرية والضحك وأنا لم أنتظر كثيرا، فما ان غادر الطاولة التي جمعتنا، حتى اكتسحتني متعة داخلية، خلقت لدي رغبة في الضحك بصوت عالي. قيدت نفسي بعناء لكن لما رأيته يخرج من باب المقهى، اختفت أدوات التحكم التي أمتلكها وتلاشت الحبال التي كنت أمسك بها وانفلت مني عنان ضبط النفس. تلويت ضحكا ولم أقو على أن أتحكم في نفسي وأوقف هذه الضحكة السخيفة.

” وأنت يا محمد. في حوزتك يوجد القلم الذي أبحث عنه “، إنها هذه

الجملة بالضبط.. هذه الجملة التي لا تزال ترن في صيوان أذني، بالنبرة الجدية نفسها التي قالها بها، هي التي كانت بمثابة القشة التي كسرت الجمل بالنسبة لضحكتي. القطرة التي جعلت القدح يفيض، كما يقال هنا في هذا البلد.

وكأنه يقول لمُقعد”: يا أيها  المشلول القدمين، الجالس على ذلك الكرسي الكهربائي، أحتاج الى يدك! أعرني أياها وأعرني أيضا كرسيك”

انتبهت الى أن وقع ضحكتي على زوار المقهى كان مزعجا جدا. حاولت أن أعثر على نقطة أحدق فيها ببصري وأركز عليها كي تساعدني على ضبط النفس. تركت نظرتي تتلاقى بالنظرات الجدية المؤنبة التي تصدر من طرف عيون الزوار اتجاهي، لكن لما أدركت أن هذه الحيلة لا تجدي نفعا وأن سلوكي لا يناسب البتة فضاء هذه المقهى الأدبية الرزينة جدا، قررت أن  أدفع الحساب وأنصرف.

ماذ تظن هذه الأنا المتضخمة؟ ” مادتي صافية. لن أقدمها لك خامة. أحتاج فقط الى قلم سلس لينقلها ” قال. أنا لست مدون ولا بكاتب عمومي لأنقل ما يمليه علي. قطعا سيكون جوابي بالرفض. لا ثم لا. هذا هو الجواب الذي سأقدمه له دون أي تكلف. هذا ما قررت أن أفعله مباشرة بعد استعادة تحكمي على عضيلات وجهي المشاركة في هذه اللجة الساخرة. فلتكن هذه ال’لا’ تلك الإبرة التي ستضع حدا لهذا التضخم المقيت المتجاوز لكل حدود التواضع البشري.

مرت الأيام في سرعة فائقة وأنا لم أبلغ الشاب بعد بما سيكون ردي على عرضه. شيء ما جعلني أؤجل الأمر وأدخل به في دوامة المماطلات. أليس من تأجيل الأعمال يأتي إلغاء النيات؟

الأسبوع كاملا وصورة ذلك الشاب لم تبرح ذهني. تحولت مع الأيام إلى صوت باطني وهو يحادثني ويحدثني وكأنه أنا الذي أحادث نفسي. ماذا سأخسر في حالتي إذا قلت نعم بدل العكس؟ ومن هو هذا الشخص الذي يريد أن يكتب له أو عليه؟ كيف يمكن لامرء أن يعثر على شخص آخر اختار هو بنفسه عن تعمد وخطة وسبق إصرار، أن يختفي عن الأنظار، بواسطة كتابة رواية؟

لاحظت أنه وكأنني ألعب دور محامي الشيطان، لكن لصالحه. لأجل قصة ابن خاله. وكأني بهذا الإحتياطي أريد أن أغذي الفضول الذي بدأ ينمو بداخلي. ربما هذا ما جعلني أنتظر موعدا قادما معه دون إخباره  بشتى الطرق المتاحة في هذا الوقت الراهن. أيكون هذا التأجيل إلغاء لنيتي المتسرعة في أن أقول لا؟

” الأسبوع القادم. نفس المكان، نفس اليوم، نفس الوقت” قال في موعدنا الأول وهو يهم بالإنصراف الى حال سبيله. الآن أجدني في يوم الجمعة هذه كما شاء هو: في نفس المكان.

– لقد رأيتك، قال بنبرة غاضبة قاطعة

– ماذا؟ كان ردي، دون تصديق ودون معرفة عماذا يتكلم وماذا رأى ومتى .

– أنا غاضب. غاضب جدا. كيف لك أن تقْدم على صفعي ما إن أدرت لك خدي. أحس وكأنك غرزت سكينا في ظهري وأنت لم تنتظر حتى أغيب عن وجهك واختفي لتقوم بما قمت به؟

– عماذا تتكلم يا محمد؟ أوضح لي الأمر لأفهم قصدك.

– رأيتك من خلف الزجاج. رأيت كيف تعاملت مع حسن معاملتي لك. كدت أن تقع أرضا بسبب ذلك الضحك وذلك الإستهزاء مني. هذا الأسبوع مر بأيامه كاملا وأنت لم تبرح خيالي. أراك كل الوقت وأنت تقهقه أمامي. سأنتقم منه، وأنا صريح معك، هذا ما كنت طوال الوقت أردده. لكني لن أفعل. إني أحتاج إليك بنفس القدر الذي  تحتاج أنت فيه إلي وإلى قصتي. أحتاج أن أفوز بودك في هذا الوقت، قلت. هذا ضروري لأجل القيام بالمهمة الكبيرة التي تنتظرنا بكلينا. لقد أشغلتني كل الوقت وكأنك كنت حاضرا معي،  وكأني أنظر إليك من خلال صفحة مرآة لازمت كل حركاتي وتحركاتي أسبوعا كاملا. لكني مع كل هذا فأنا فرح جدا لأنك لم تتجرأ أن ترفض لي طلبي. كن صريحا معي. لقد فكرت في هذا. اعترف. كم من مرة انتابتك تلك الفكرة؟  كفى الآن. سأروي لك القصة. تخيل أنني أتواجد معك كل الوقت. تخيلني طيف يأتيك بالإلهام ويضعه كفراشات ترفرف على كتفك. هذه هي الصورة التي يجب أن تشكلها في ذهنك عني. أنا سأملي وأنت ستكتب، ولا تكتب ما أمليه عليك حرفيا كي لا أقاضيك يوما ما واتهمك بالسرقة، وأنت في هذه القدر من السذاجة حيث أنك لم تبرم ولو اتفاقا واحدا معي وتوثقه على الورق.

القصة ستبقى قصتي أنا إلى آخر كلمة منها. لكن إذا وهبتنيي كلمتك ووفيت لي بعهدك، فستكون الرواية، روايتك أنت. أكتبها. أكتبها بذلك الأسلوب التي اعتدته منك. فلتكن كسيل ماء: فاتر، سلس.

ساعدني الآن. من أين سأبدأ؟ من سنة 1991؟

في بداية شهر ماي من هذه السنة تكونت الصورة الاولى عندي حول ما يسمى بأمستردام. قبل هذا التاريخ كنت أعرف المدينة فقط عن طريق أطلس البلدان والعواصم. كنت أعرف شخصيات متعددة، كالرسام فان خوخ، وإسبينوزا الفيلسوف، ولاعبو كرة القدم كيوهان كراوف وكومان ورُد خوليت. لم أكن أفرق بين هذه المدينة والدولة. كان كل شيء أعرفه عن هولاندا أنسبه الى أمستردام، وكل ما في أمستردام فهو بالطبع لن يكون إلا هولنديا. كنت أعرف أيضا اسم الملكة التي تبناها أبي. أراك تبتسم،  إن أبي يشبه أباك تماما. جل المهاجرين من الجيل الأول كانوا يتشابهون. كان الزمن عصيا وعويصا آنذاك، إنه زمن الرصاص وأبي كان يحب الأخبار كثيرا ويتابعها على التلفاز، لكنه كان يمقت النشرة الإخبارية المغربية! كان يشعل التلفاز دائما نصف ساعة بعد بدءها، لأنه آنذاك تكون النشرة حول أخبار الملك وأخبار إنجازاته التي تستغرق قرابة نصف ساعة، قد انتهت وتكون الأخبار المهمة بدأت.

“العبودية! أن تصل الى هذا الحد، إنها إهانة، لا أريد أن أنظرر فيها ولا أن أعرض أبنائي لمثل هذه الشناعة… الحمد لله، أحمده لأنه وهبني أنثى كملكة. وذلك أرفضه أن يكون ملكي، فلتحيا جوليانا. ألا تعرف ماذا فعله فينا؟

كان  جريئا في إظهار قناعاته السياسية. حتى في الأمسيات التي تجمعه مع عائلته الكبيرة وفي حفلات أخرى تتسع لآخرين من خارج العائلة ، كان أبي يدافع جهرا عن حبه لملكته: ذاك ملككم أنتم، طوبى لكم، أما أنا فلدي ملكتي، جوليانا هي ملكتي…”

ولأن أبي مَلكي إلى هذا الحد، فإني كنت أعرف حتى إسم ولية عهدها: بياتريكس. لكن حب أبي الفائض من شخصية جوليانا، لم يسعفه أن يحب ابنتها عند توليها الحكم. لقد أخطأت في تقديري. فأبي ليست لديه أية علاقة مع الدم الملكي الأزرق، لم يكن يحب جوليانا في حد ذاتها، أحبها فقط لكي لا يضطر عنوة أن يجبر على التفكير في الرضوخ لحب  رجل بدم أزرق أعاث في مدشره فسادا وتقتيلا..

ذات يوم وأنا أناقش معه مسألة الأنظمة السياسية من ملكيات وجمهوريات، كشف لي عن حقيقة قناعته: نحن ريفيون يا بني قال، ونحن لا نستطيع أن نكون أنفسنا ونكون في نفس الوقت ملكيين، لنا رجلنا. لنا رئيسنا. قالها بنبرة فيها بعض التحسر وبعض من أمل خفوت ولأول مرة في حياتي اسمع فيها شفتاه تنبسان باسم محمد بن عبد الكريم الخطابي.

عن هولندا وعن أمستردام كنت أسمع وأقرأ أيضا أنها جنة الغرب وكانت تلك هي أول  مرة أعرف فيها بأن اللون البرتقالي هو لون الجنة، هو لون الفريق الهولندي، هو لون الغطاء الذي تغلف به الأمتعة وحقائب العبور التي يحملها المهاجرون فوق سياراتهم عند العودة كل صيف الى ما تركوه خلفهم. هو لون المظلات الواقية من الشمس التي تنتشر في الصيف على شواطئ الريف. وحين ينتهي الصيف ويعود المهاجرون الى الضفة الأخرى ثم يبدأ الموسم الدراسي الجديد في الدول التي استضافتهم، يبقى لون الجنة مندغما في قشرة أفضل فاكهة عندي: البرتقال الذي يكتسح الأسواق في موسمه.

في بداية شهر ماي من العام المذكور ، بدت امتحانات الفصل في ثانوية إمزورن. يوم الإثنين شاركت في كل الإمتحانات وغدا مع الساعة العاشرة صباحا، يومه الثلاثاء، كنت سأكون على متن الطائرة التي ستنقلني الى أول لقاء بأمستردام. كم تحسرت للمواد التي لم استطع اجتياز الإمتحان فيها. لقد هيأت نفسي لها أحسن تهييئ. راجعت حتى المواد التي كنت سأمتحن فيها يوما أو أياما بعد مغادرتي للوطن. كم فكرت في أصدقائي وتحسرت عن الامتحانات وأنا على متن الطائرة التي تشق بي الأجواء! لم أفلح في طرد تحسراتي والتفكير بكل ما تركته ورائي، سوى عند محطة العشرين دقيقة، عندما شرعت الطائرة في الهبوط. على علو منخفض جدا والطائرة تترنح بأجنحتها يمينا وشمالا، رأيت تفاصيلا من الجنة على شمالي وعلى يميني. يا للروعة… حقول مستوية في أشكال هندسية رائعة بلون كل الزهور! وأمستردام، يا لها من مدينة.. كم تظهر منظمة ومنتظمة من الأعلى! وكم هي ساحرة وقدمك تطأ أزقتها وشوارعها.

– أمستردامية؟

-يداي منشغلتان، لا، شكرا. أنا أكتب.

ماستريخت أيضا جميلة. تلك المدينة الحدودية التي تطل على جبال الآرْدِن في جزئها الواقع على الأراضي البلجيكية. المدينة ساحرة. حين تراها، ستظن أنك في عطلة خارج حدود هولاندا، إنها أول مدينة استطعت فيها أن أتحرر من الإنبساط المسيطر على جغرافية هذا البلد. أنت تعرفها. إنها تقع على مرتفع محتشم. إلى حدود يومنا هذا لا زلت لا أصدق أن مرتفعاتها طبيعية. الفكرة بأنها مصطنعة تهيمن علي رغم محاذات المدينة لجبال الآرْدِن الشامخة.

في تراس يُوسط المدينة الصغيرة، حين طلبت كأس جعة باردة، سألني  النادل:

– سيدي، ألن يكون لديك أي مانع إن قدَّمت لك أمستردامية؟

 لم تكن لدي الشجاعة الكافية لأسأل ما تعنيه هذه الأمستردامية، خصوصا وأني أنحدر في ما يخص السكنى من مدينة أمستردام نفسها. ربما ستكون نوعا من الجعات التي لا أعرفها، ربما هي شيء ذا شهرة، ولكن سكان المدينة نفسهم لا يقدرون أشياءهم المحلية. تماما كما شأننا نحن، وأبَوْا أن يتعاملوا في وسط أمستردام مع شيء يحمل إسم الأمستردامية، لا تنسى هذا الإسم. سيكون عنوان قصتي هذه التي أحكيها لك.

– وابن خالك؟ لا زلت أنتظر قصته

– لقد قلت لك أنني سأقدم لك القصة صافية. أنت أكتب فقط. هذه هي المهمة.

محمد السقفاتي

لقراءة الحلقة الاولى اضغط  هـنـا

كلمات دليلية
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.