عدنان رشدي: قراءة نقدية لفيلم ايبيريتا لمخرجه محمد بوزاكو

17 مارس 2017

عدنان رشدي: قراءة نقدية لفيلم ايبيريتا لمخرجه محمد بوزاكو

ريف 24:

فيلم ايبيريتا ( Iperita ) ..فكرة احمد زهيد و سيناريو و اخراج محمد بوزاكو .. فيلم جميل يتناول موضوعا اسال الكثير من الحبر ..ووجب ان يزيد من إسالته اكثر .. قصة معلم ( ميلود ) يتم تعيينه في مدرسة فرعية في احدى القرى النائية من الريف بداية الثمانينات ليبدأ نضالا من نوع اخر .. يحاول تعميم التعليم و جذب اطفال القرية للتمدرس متحديا بذلك ظروفا كثيرة منها استغلال الاطفال من طرف مدير المدرسة المتواطئ مع احد كبار القوم النافذين ( طاهر رئيس الجماعة ) .. والذي يجبرهم على ترك الدراسة و العمل في المزارع و اشغال اخرى ..بعلم ورضى اوليائهم .. يصطدم المعلم ( ميلود ) كذلك باجواء الموت و المرض الخبيث الذي يحصد الارواح ويفتك بالعباد .. بالاضافة الى واقع التعليم المزري آنذاك ( ثمانينيات القرن الماضي ) .. يظهر صديق ميلود ( زيان ) ذلك الصحفي الواعي الذي يحاول سبر اغوار ملف الغازات السامة التي استعملت من طرف المستعمر الاسباني في حرب الريف .. و يحاول ربط الخيوط و تأكيد العلاقة بين هذه الغازات ( غاز ايبيريتا ) و المرض المنتشر و الموت الذي يحصد الارواح بطريقة غريبة في تلك المنطقة من الريف ..
تتوالى الاحداث و تظهر الشخصيات تباعا في قالب درامي مميز يعبر بنا الى ( تيموش ) بطلة الفيلم التي فقدت والدها و قبل ذلك والدتها بسبب السرطان .. لينال منها المرض الفتاك هي الاخرى فيجد ميلود نفسه امام عمل بطولي لا بد منه و هو الزواج منها و محاولة التخفيف من آلامها واحزانها و قرب هلاكها .. يظهر كذلك ( خوسي ) طيار اسباني ساهم في حرب الريف و عاد ليغسل تأنيب الضمير الذي يكاد يقتله بين ابناء المنطقة .. نظرا لان من انقذه في احدى المعارك التي كان قريبا فيها من الموت امرأة من المنطقة يكتشف فيما بعد انها والدة ( تيموش ) ..
تمر الاحداث و تتتابع و نعيش دراما تنقلنا من حدث الى اخر .. من محاولة اغتصاب تيموش من طرف احد اعوان السلطة في تلك المنطقة والذي يدعى ( بيريت perrit ).. هذا الاسم كان يحمل بين ثناياه ربطا جميلا بين السلطة المغربية و حرب الريف ( الغاز السام المستعمل ) و كيف ان لها مسؤولية عبر التاريخ و حتى الحاضر .. في مأساة ضحايا الغازات السامة في الريف ..كما ان مشهدا يظهر اغتصاب بطلة الفيلم (تيموش ) تكرر مرتين .. و في هذا اشارة الى مسؤولية اسبانيا في اغتصاب المنطقة اثناء حقبة الاستعمار .. اما مشهد الاغتصاب الثاني فقد عبر عن اغتصاب من نوع اخر عبر السكوت و اللامبالاة من الدولة بعد الاستعمار تجاه هذا الملف الشائك ..
يظهر كذلك للمشاهد كيف ان القائد متورط في عمليات فساد كثيرة في المنطقة مع اعيانها و كيف انه تبرأ منهم حينما افتضح الامر و انكشف ذات مرة .. تجرنا احداث الفيلم ايضا الى تمرد ( فتيحة ابنة مدير المدرسة ) بعد ان عرفت ان اباها ( مدير المدرسة سليمان ) وافق على تزويجها تحت ضغط مال و نفوذ احد شيوخ المنطقة (رئيس الجماعة) و كيف تهرب لتستنجد بفتاة تعيسة انهكها المرض و فقدان والدها و هي ( تيموش )..
الفيلم لا يغفل الجانب الكوميدي الذي كان حاضرا في كثير من لحظاته .. خصوصا كوميديا الموقف ( comique de situation ) التي ظهرت في الكثير من المشاهد بطريقة احترافية و جميلة و التي كان لشخصية ( عاشور ) نصيب منها حيث اتقن مؤديها و اجاد في كثير من لحظات ظهورها المميز في الفيلم ..
ينتهي الفيلم باعتراف ( خوسي ) تحت ضغط الصحفي ( زيان ) الذي يمثل في الفيلم كيف يجب ان تضغط الصحافة بخصوص موضوع الغازات السامة في حرب الريف و بانه وجب على السلطة الرابعة ان تلعب دورها و تدفع في اتجاه اعتراف اسبانيا بمسؤوليتها اثناء تلك الحرب وبعدها و المآسي التي تظهر في المنطقة الى يومنا هذا .. في رؤية اخراجية موفقة من المخرج حسب رأيي .. اعتراف ( خوسي ) جاء اساسا تحت صدمة معرفته بهوية منقذته .. فماكان منه الا ان اعترف رغم انه قد فعل سابقا و اعترف لتيموش التي استأنست له بدورها ووجدت فيه اباها الذي فقدته و اعترفت له بكثير من مآسيها و احزانها رغم انها لم تفهم ماكان يقول كما لم يفهم هو كذلك .. في مشهد مثير كان من اللحظات المميزة في الفيلم حيث لعب المخرج على وتر سمو العلاقات الانسانية رغم اختلاف اللغة ..
اعتراف (خوسي) في ندوة امام الصحافة في النهاية كان رسالة من الفيلم بان الاعتراف ولو لم يحصل بعد في الواقع من طرف اسبانيا الا ان هذا سيحصل فقط اذا ظغط الجميع و فتح نقاش اكبر في الموضوع ..
السيناريو كان محبوكا و متينا .. رغم ان المونتاج لم يكن كذلك حسب رأيي المتواضع .. حيث انه تم المرور على حدثين هامين في الفيلم مرور الكرام .. حدث وفاة اول ضحية في الفيلم بالمرض الخبيث ( والد تيموش ) و كذا حدث زواج بطل الفيلم ( ميلود ) ب ( تيموش ) .. هذين الحدثين مثلا فرصة للمخرج لشحن العواطف و جذب المشاهد و اعطاء الفيلم نوعا من التراجيديا بالنسبة للحدث الاول و كذلك الرومانسية بالنسبة للحدث الثاني .. فمثلا العلاقة بين تيموش و ميلود بقيت غامضة طوال الفيلم ليتساءل المشاهد عن ماهية هذه العلاقة هل هي علاقة حب ام مجرد عطف من ميلود على تيموش بسبب ظروفها و حالتها الصحية و قرب هلاكها .. كما ان ايقاع الفيلم مر بلحظات رتابة خاصة في بدايته وكان هناك نوعا ما تمطيط و مونوطونية (la monotonie) .. حيث قاربت مدة الفيلم ساعتين ..بالمقابل طريقة التصوير كانت مميزة و زوايا الكاميرا كانت في منتهى الدقة و بحركة مدروسة و قليلة و زادها جمالا الاختيار الجيد نسبيا لاماكن التصوير و جماليتها .. نقطة اخرى تحسب للمخرج وهي عدم ربط المنطقة التي تدور فيها احداث الفيلم بإسم .. ليعطي انطباعا بانها تمثل الريف باكمله ..
ظهرت بعض الفراغات التي بقيت غامضة ولا اعتقد انها كانت كذلك قبل المونتاج .. زواج ( فتيحة ابنة مدير المدرسة) كان مهره اطلاق سراح (ميلود ) الذي سجن ظلما بعد تلفيق تهمة الاغتصاب لابعاده عن القرية .. و كذلك اعادة بناء المقهى الصغير الذي كانت تديره ( تيموش ) و تم هدمه بفعل الفاسدين في القرية .. (ميلود ) خرج من السجن ولم نعرف ما حصل مع ( تيموش ) بخصوص ما كان يظهر على انه مقهى صغير ..كما اننا عرفنا خلال الفيلم ان ( خوسي ) كان طيارا .. اي ان طائرته قد سقطت و تحطمت .. لكنه احتاج فقط الى قناع الاكسجين لينجو .. و الذي اعطته اياه والدة (تيموش ) .. مع العلم انه في فترة حرب الريف لم تكن الطائرات المقاتلة على قدر عال من الامان و السلامة ..و هنا يطرح سؤال حول قابلية التحقق ..
الإضاءة و الموسيقى التصويرية كانتا في مستوى مقبول رغم انه ربما كان بالامكان افضل مما كان.. خاصة على مستوى توظيف الموسيقى التصويرية التي لم تجذبني كمتفرج في بعض المشاهد و شدتني كثيرا في مشاهد اخرى .. اللباس كان مميزا و متقنا و الديكور كذلك رغم بعض الهفوات .. فمثلا في احد المشاهد يظهر طبيب في احد المستشفيات و هو يتفقد الحالة الصحية ل ( تيموش ) فتظهر خلفه ملصقات للتوعية .. هذه الملصقات تظهر ملونة و متقنة و جديدة و سابقة لعصرها .. وليست كالتي ظهرت مثلا في فيلم hospital massacre 1981 او في افيشات و بوسترات الثمانينيات ..
لكن على العموم فهذه العناصر الثلاثة ( الديكور و الاضاءة و الموسيقى التصويرية ) كانت موفقة الى حد بعيد في الفيلم ..
نهاية الفيلم كانت جميلة و مشهد انفجار القنبلة كان جيدا و موفقا من المخرج الذي اراد ان ينفجر الموضوع ( الغازات السامة بالريف ) كانفجار القنبلة و ان تفتح نقاشات بهذا الخصوص .. و في هذا رؤية سينيمائية جميلة كانت حاضرة في المشهد الاخير و في الفيلم عامة والذي كان جد موفق على مستوى زاوية المعالجة و حمل تصورا سينمائيا مميزا و بعدا عميقا و راقيا في قصته والكثير من احداثه و مشاهده ..
أداء الممثلين كان جيدا و مميزا صراحة.. بداية ب ميلود ( لعب الدور محمد سلطانة ) الذي كان موفقا جدا في دور المعلم الذي يبدو رصينا و قليل الكلام و حاملا مسؤولية كبيرة كشاب ريفي يحاول تغيير واقع المنطقة و يحمل همها .. مرورا ب مدير المدرسة سليمان ( لعب فاروق ازنابط ) الذي كان مميزا و متألقا في دوره شأنه شأن تيموش بطلة الفيلم (لعبت الدور ابتسام عباسي ) التي لعبت الدور بايقاع مظبوط .. عاشور ( لعب الدور رشيد امغتوك ) ايضا كان جيدا رغم ان بعض المواقف والحركات كانت مفتعلة وزائدة لكن بالنظر الى تركيبة الشخصية تبدو لك صعوبتها و مدى تعقيدها .. طاهر رئيس الجماعة ( لعب الدور بنعيسى المستيري ) كان ايضا موفقا في تشخيصه .. وصولا الى فتيحة ابنة مدير المدرسة ( لعبت الدور نوميديا ) بلعيد ( لعب الدور ميمون زنون ) بيريت ( لعب الدور عبد الله انس ) و خوسي ( لعب الدور حسن اجواو ) حيث اثبتو براعة في التشخيص و لعبوا ادوارهم بايقاع سليم ..وطبعا ظهور مميز كالعادة للكبير ( محمد الشوبي ) في دور القايد .. أداء جيد من الممثلين رغم التفاوت بين بعضهم البعض على مستوى اتقان الشخصية و حسن تقمصها .. كما ان بعض الشخصيات ربما ظلمها المونتاج نوعا ما ..
الفيلم ككل يستحق التصفيق للامانة و الدليل انه توج بجائزة احسن سيناريو امام افلام مميزة كانت حاضرة في المسابقة الرسمية للمهرجان الوطني للفيلم .. يستحق المشاهدة لانه فيلم مشرف للسينما الامازيغية خاصة الناطقة بالريفية .. يستحق التنويه ايضا لانه عمل محترم في ضوء اكراهات عديدة تعيشها السينما الامازيغية مقارنة بنظيرتها الناطقة بالدارجة او العربية .. يكفي ان نذكر انه انتاج خاص لمخرجه محمد بوزاكو ..
رغم انني لا ارى في السينما المغربية عامة مستوى باهر يشدني كما تشدني مدارس وتجارب سينمائية اخرى في المنطقة فبالاحرى على المستوى العالمي .. رغم التطور الكبير الحاصل في السنوات الاخيرة قياسا بالامكانيات و مستوى الافلام المغربية قبل عهد قريب ..الا انني صفقت كثيرا للفيلم و مخرجه و طاقمه بعد نهاية عرضه اثناء المهرجان الوطني للفيلم .. و صفقت بحرارة اثناء تتويجه بجائزة السيناريو في حفل ختام المهرجان .. و سأصفق كثيرا لكل مكونات و طاقم الفيلم و على رأسهم مخرج مميز يشق طريقه بثبات و بكفاح جميل ليكون من رواد الفن السابع على المستوى الوطني ..و سأصفق كثيرا لممثلي الفيلم الذين اثبتوا علو كعبهم و تفوقهم في ادائهم للشخصيات .. سأصفق مطولا في انتظار مشاهدة اخرى للفيلم و في انتظار عمل جديد يشرفنا كما شرفنا فيلم ابيريتا . عدنان رشدي

أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.