امزورن تحتضن ندوة فكرية بعنوان “الوضع المغربي الراهن بعيون سوسيولوجية و فلسفية”

26 فبراير 2017

امزورن تحتضن ندوة فكرية بعنوان “الوضع المغربي الراهن بعيون سوسيولوجية و فلسفية”

ريف 24: عبد الرشيد المساوي

احتضنت مدينة امزورن مساء السبت 25 فبراير 2017 ندوة فكرية ناجحة بعنوان ” الوضع المغربي الراهن بعيون سوسيولوجية و فلسفية ” ، نظمتها بشكل مشترك كل من جمعية قدماء تلاميذ ثانوية امزورن ، و فرع الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة بالحسيمة. و قد عرفت القاعة الكبرى للمركب البلدي للتنشيط الثقافي حضورا استثنائيا من داخل اقليم الحسيمة و خارجه.

مسير اللقاء – الأستاذ جمال المحدالي – استهل هذه الندوة بشكر الحاضرين الذين حجوا بكثافة على تلبيتهم للدعوة ، موضحا السياق الذي جاءت فيه ، و مثمنا هذا العمل المشترك بين الجمعيتين. ثم قدم تعريفا بالأستاذين المؤطرين لهذه الندوة ، منوها بتفاعلهما الإيجابي مع دعوة المنظمين للمشاركة.

المتدخل الأول في هذه الندوة كان هو ” قيس مرزوق الورياشي” ، أستاذ علم الإجتماع بجامعة محمد بن عبد الله بفاس الذي تناول موضوع ” الوضع المغربي الراهن بين اختلالات أساليب التدبير و مؤشرات الحراك الإجتماعي ” . و قد بدأ مداخلته التي تضمنت انتقادات لاسعة للدولة و المجتمع ، بتلخيص الوضع المغربي الراهن في عبارة – أوردها بالفرنسية لدلالتها البليغة – ” Rien ne marche et pourtant ça marche ” ( لاشيء هو كما ينبغي ، لكن الأمور تسير مع ذلك “. و هذا يعني أن هذا الوضع يعرف أزمة رصدها في الإختلالات التي يعرفها كل من النظام التعليمي ( تعليم مكلف و مردوديته هزيلة ، أبارتهايد تعليمي حيث هناك مدرسة للفقراء و مدرسة للأغنياء، طغيان منطق الذبابة على منطق النحلة ، و ربما إقرار بطاقة ” راميد” قريبا في هذا المجال …). ثم اختلالات النظام السياسي ( أزمة النظام الحزبي ، إذ لا ديمقراطية بدون أحزاب ، حيث غياب الإبداع على مستوى التنظيم و على مستوى الخطاب ، طغيان الزعامتية مقابل التنصل من المسؤولية حيث الزعيم أول من يغادر الباخرة إذا استشعر غرقها …). و أيضا اختلالات النظام الإقتصادي ( تشجيع الرأسمال و تحقير العمل، سيادة رأسمالية ليبرالية متوحشة و إسلاموية – اللي بغا يقري ولدو يدير يدو فجيبو – لا تنتج الثروة و انما الفقر ، تداخل القطاعين العمومي و الخصوصي …) . و أخيرا اختلالات الأفق الثقافي ( هجانة لغوية و ثقافية ، سيادة الحقل الديني على الحقول الثقافية الأخرى ، تحويل التنوع الثقافي من ثروة رمزية إلى عائق مجتمعي …)…وبعد ذلك انتقل الأستاذ الورياشي إلى طرح البدائل الممكنة لهذه الأزمة ، حيث أكد أولا أن المجتمع المغربي عرف ثورتين مهمتين. أولهما هي الثورة الديمغرافية حيث انخفض معدل الإنجاب لدى المرأة المغربية ليصل إلى 2،5 بعد أن كان 7 أو أكثر . ثم ثانيهما هي ثورة التواصل التي أحدثها تطور التكنولوجيا. ثم بعد ذلك انتقل إلى إبراز أن الدولة و المجتمع لهما مساران متوازيان لا يلتقيان ، حيث أن أولويات الدولة أصبحت هي محاربة الإرهاب و الدفاع عن الوحدة الترابية و تشجيع الإستثمارات الخاص-عمومية و الزيادة في الإقتطاعات، بينما يعرف المجتمع تنامي الحركات الإحتجاجية التي أصبحت تشمل أغلب الفئات. و هكذا اصبح الإتجاه العام للوضع المغربي الراهن يتميز بمزيد من تقوية هجانة الدولة حيث تتداخل الديمقراطية مع الدكتاتورية، في مقابل تراجع العمل السياسي المؤسساتي كما يجسده تآكل مصداقية الأحزاب و العزوف الإنتخابي ، و أخيرا وجود حركية اجتماعية تتمثل في مواجهة التهميش سواء كان طبقيا ( إميضر نموذجا ) أو ترابيا ( مثل حراك الريف ). وقد خلص من كل ذلك إلى أننا أمام تاريخ جديد يتشكل يتميز بصراع مباشر بين الدولة و المجتمع ، و آفاق تجاوز هذه الأزمة هو إعادة بناء الدولة و المجتمع معا.

أما المتدخل الثاني في هذه الندوة فهو ” فريد لمريني ” ، أستاذ الفلسفة السياسية بالكلية المتعددة التخصصات بالناضور الذي تناول موضوع ” الوضع المغربي الراهن بين رتابة الإنتقال و رهانات التغيير” . و قد اعتمد منهجية اختبار المفاهيم انطلاقا من الدينامية الإجتماعية . و قد أكد أولا أن الوضع المغربي الراهن يتميز بعجز الدولة عن الإستجابة لمطالب و طموحات و انتظارات المجتمع مما يفرض ضرورة التغيير. و الحديث عن مشروع التغيير يقتضي في نظره تحديد زمن التغيير و نوعه ، و تحديد طبيعة المغيرين و علاقتهم بالدولة و المجتمع ، ثم هل التغيير فوقي أم نتاج توافق. ثم ينبغي الإنتباه أيضا أثناء الحديث عن التغيير ليس فقط الى صناع التغيير بل أيضا إلى ردود الأفعال التي يولدها مشروع التغيير ، و كذا معرفة أن التغيير هو نتاج صيرورة معقدة ، و أن زمن التغيير هو زمن تزامني كثيف و ليس زمنا تعاقبيا ، أي أن التغيير هو نتاج تلاقي من جهة بين الزمن التاريخي الطويل و الزمن الإجتماعي القصير المتميز بخداعه و زئبقيته ، و من جهة أخرى بين عوامل داخلية و أخرى خارجية . و الأهم من ذلك أنه لا يكفي أن تكون موازين القوى لصالح الساعين الى التغيير لينجح التغيير ، بل يحتاج الأمر إلى وجود فاعل استراتيجي ( مثلا طبقة اجتماعية )، و هو لا يحصل دفعة واحدة و إنما يكون نتاج مخاضات عسيرة. لذلك فهو لا يحتاج فقط الى تغيير القواعد و إنما إلى تغيير العلاقات ( الأهم في نظر الأستاذ لمريني هو تغيير الذهنيات ). في خلاصة فالتغيير هو فعل ملموس لممارسة الحرية يحتاج إلى أفراد قادرين على اتخاذ القرار يمتلكون أنفسهم و قادرين على التغلب على العوائق الداخلية قبل الخارجية اثناء اتخاذ القرار…و بعد انتقاله إلى اختبار مفهوم التغيير على الوضع المغربي ، أكد أن التغيير هو التحديث ، و هو مفروض بقوة الواقع على الدولة و المجتمع ، ملاحظا أن تجارب التغيير التي عرفها المغرب المعاصر كانت في صالح الدولة. هذه الأخيرة تتميز بجملة من الخصائص التي تعيق التغيير ، من بينها عدم وجود فصل بين السلط ، و استنادها الى شرعيتين متناقضتين ( البيعة و التعاقد ) و غياب أي عقلنة للفعل السياسي حيث يطغى العبث في اتخاذ القرارات. أما على مستوى المجتمع فنلاحظ سيادة ثقافة الإجماع المذهبي و العقدي التي تعرقل التداول الديمقراطي على السلطة و تقوي سلطوية الدولة. أي ان المجتمع يصبح ضد نفسه و يعتمد أساليب عنيفة مادية او رمزية ( مدونة الأسرة ، الحريات الفردية…). و قد أنهى مداخلته بالتأكيد ان تجارب التغيير لا تقبل الإستنساخ ، و أن تحديث المغرب لا يمكن ان يتم إلا بتوابل مغربية.

و بعد ذلك تم فسح المجال للمناقشة حيث تم إغناء هذه الندوة بمداخلات أثنت في مجملها على أهمية هذا النشاط و مضامين المداخلتين ، و طرحت استفسارات نحا بعضها في اتجاه ربط موضوع الندوة بالحراك الشعبي الذي يعرفه الريف ، متسائلة عن آفاقه الممكنة ، خاصة في ظل حضور نشطاء ميدانيين للحراك في هذه الندوة – مثل ناصر الزفزافي – و هو ما تفاعل معه الأستاذين بلغة أكاديمية بالدرجة الأولى تغلب منطق البحث العلمي البطيء على منطق الحماس النضالي السريع. و في ختام هذه الندوة تم تسليم شهادتين تقديريتين للأستاذين المؤطرين ، و كذا مجسم تذكاري لكل واحد منهما ساهم به الفنان يوسف كوراج. و شكر مسير الجلسة المواقع الإعلامية التي سهرت على تغطية هذه الندوة ، مثل موقع فريريف أو موقع ريف 24 الذي عمل على نقلها مباشرة .كما كان موعد الحاضرين في الأخير مع حفلة شاي ساهمت بها بلدية إمزورن.

كلمات دليلية
أترك تعليقك
0 تعليق

عذراً التعليقات مغلقة