رشيد المساوي: تأملات في القضية الريفية

31 يناير 2017

رشيد المساوي: تأملات في القضية الريفية

ريف 24: تقديم  : تأتي هذه التأملات، كمساهمة مني في النقاش العمومي الذي استعاد زخمه في ظل الحراك الشعبي الذي يعرفه الريف، و ذلك منذ 28 اكتوبر 2016 تاريخ استشهاد ” محسن فكري “. وهو النقاش الذي فجر المسكوت عنه لسنوات طويلة، وأعاد إلى الواجهة قضية الريف بجميع أبعادها الإقتصادية و السياسية و الثقافية و الحقوقية…

  • في تحديد مفهوم ” القضية الريفية “.

    أقصد شخصيا ب” القضية الريفية ” وجود مجموعة بشرية يعرف أفرادها أنفسهم بكونهم ” ريفيون ” ، و لديهم إحساس مشترك بالإنتماء إلى الريف ، و يتميزون عن غيرهم من المجموعات التي تنتمي إلى فضاء المغرب Maghreb بخصائص لغوية و ثقافية و تاريخية و غيرها. كما يشترك أغلب الريفيين  في الإحساس بالتعرض لإضطهاد اقتصادي و سياسي و ثقافي… يهدد هويتهم و حقهم في العيش الكريم. و يتجلى هذا الإضطهاد – على سبيل المثال لا الحصر – في :

   إقتصاديا،  غياب وحدات اقتصادية  قادرة على تحريك عجلة التنمية المحلية، و امتصاص البطالة المتفاقمة للعاطلين، مما جعل الريفيين يشكلون أكبر نسبة للمهاجرين المغاربة. ثم انعدام بنية تحتية مشجعة على الإستثمار ( طرق ، سكك حديدية، موانئ، مطار…). كل هذا جعل الإقتصاد الريفي يعتمد أساسا على أنشطة غير قانونية ( تهريب السلع من مليلية و سبتة ، تجارة ” الكيف” ، تهريب البنزين الجزائري…) تفرض على مزاوليها أن يحسوا أنهم في وضعية سراح مؤقت مرتبط بمزاج المسؤولين، بالإضافة طبعا إلى تحويلات العمال المهاجرين.

   أما سياسيا، فما تزال الدولة تغلب المقاربة القمعية في تعاملها مع المنطقة 

وتعبيراتها السياسية ، في تناقض مع النوايا المعلنة . لذلك يلاحظ أن الدولة

تتدخل بعنف أقوى في الريف مقارنة مع مناطق أخرى من المغرب ( 1958، 1984، 2011…). فمثلا ، و في إطار حركة 20 فبراير فقط ، كان نصيب الريف 5 شهداء ، و حوكم نشطاء الحركة بأحكام قياسية. ناهيك عن وجود بيروقراطية ادارية أكثر تسلطا . بالإضافة طبعا إلى تدخل الدولة لفرض نخب مصطنعة في مختلف المجالات لتمثيل المنطقة.

    أما اجتماعيا ، فيسجل الضعف الحاد في المرافق الأساسية ، إذ لا وجود لوحدات جامعية مستقلة في الريف، مما يفرض على الطلبة الريفيين الإنتقال إلى المدن الأخرى. كما لا يوجد في منطقة الريف على شساعتها، أي مستشفى جامعي قادر على تلبية الطلبات المتزايدة للمرضى ، مما يجعلهم و ذويهم يعيشون جحيما مزدوجا في انتقالهم الى المدن البعيدة لمعالجة الأمراض المستعصية ( مرض السرطان مثلا ).

    أما ثقافيا – و هو المستوى الأهم و الأخطر لارتباطه المباشر بهوية الريفيين –  فيتخذ الإضطهاد شكل عنف رمزي عندما يفرض على مواطني المنطقة الحديث بلغة غير اللغة الريفية ، إذ يجهل أغلب موظفي الدولة هذه اللغة و مختلف الخصوصيات الثقافية للمنطقة. كما أن مختلف المآثر التاريخية للريف تتعرض لتدمير مقصود أو إهمال ممنهج  (  مقر قيادة المقاومة الريفية خير مثال ).

 هذه فقط، بعض التجليات التي تجعل الريفيين يحسون بتعرضهم لإضطهاد يهدد توازنهم الوجودي ( يشمل حتى التوازن البيئي من خلال اقتلاع غابات اسواني و اسفيحة مثلا  لتشييد “مستوطنات” اسمنتية ). كل هذا يجعل البعض يتساءل: هل يعود هذا “التمييز السلبي” في تعامل الدولة مع الريف إلى المشاركة المتميزة للريفيين في حركة المقاومة و جيش التحرير أولا ، ثم  مناهضتهم – في بداية  استقلال المغرب-  للإستبداد المخزني و الحزبي ثانيا؟ أي هل تاريخ الريف اصبح عائقا يحول دون اندماجه، و يفرض تعاملا استثنائيا معه ؟

 

  2- القضية الريفية في ضوء حراك الكرامة.

   جاء حدث مقتل “محسن فكري” دفاعا عن حقه في العيش الكريم ، ليعيد

القضية الريفية إلى الواجهة، و ليطرح بحدة سؤال العلاقة بين الريف و الدولة المركزية. فالحدث لم يكن معزولا . كما أن واقعة الإستشهاد كشفت عن أبشع أنواع العنف المادي ( القتل طحنا في شاحنة للأزبال) و الرمزي ( التلفظ بعبارة ” طحن مو” بما تكثفه من دلالة، مما جعلها تنتشر كالنار في الهشيم في مواقع التواصل الإجتماعي ) التي يمكن أن يتعرض لها المواطن البسيط.

   لذلك جاءت الهبة الشعبية في الريف التي تلت الحدث، كرد فعل قوي و عارم للتعبير عن هذا الغضب و السخط المتراكم لسنوات ، كما أن الحضور الجماهيري الغير المسبوق في المسيرات الإحتجاجية ، لا من حيث عدد الحاضرين ، ولا من حيث دقة التنظيم وسلميته، فاجأ الجميع ، كاشفا بذلك أنه على المستوى الذاتي، مازال الجسد الريفي يمتلك المناعة الذاتية عندما تمس أهم قيمة لديه و المتمثلة في كرامته ( رفع شعار ” كلنا محسن فكري” الذي تسيد الإحتجاجات معناه أن كل الريفيين يعانون من الحكرة و يتوقون إلى العيش = الإقتصاد  الكريم = الأخلاق ). . و على المستوى الموضوعي، جاء الحراك المجتمعي ليدق ناقوس الخطر و ينبه الى معاناة المواطنين في الريف عامة، وفي الحسيمة خاصة، من أزمة اقتصادية خانقة و غير مسبوقة بعد نضوب أو تقلص أهم المصادر المدرة للدخل التي أشرت اليها سابقا ،و زادت من حدتها فقدان الحسيمة لإمتياز كونها عاصمة للجهة. كما تميز هذا الحراك الذي شاركت فيه أغلب الفئات المجتمعية ، بمتغيرين نوعيين: تمثل أولهما في حضور وازن  للمرأة فيه رغم الطابع المحافظ للمنطقة ، و تمثل ثانيهما في حمل الأعلام الريفية بشكل لافت تعبيرا من بعض المحتجين عن اعتزازهم بتاريخ أجدادهم في الدفاع عن الوطن، و تشبثهم بنهج التحرير الذي رسمه الخطابي و رفاقه ( طبعا  لا ينفي هذا وجود أصوات انفصالية محدودة ، و مرشحة للتزايد إذا واصلت الدولة المغربية تجاهل الأصوات الداعية الى تحقيق عدالة مجالية بين الريف وباقي مناطق المغرب لتحقيق اندماج حقيقي ).

   لقد أعاد هذا الحراك علاقة الدولة المركزية مع الريف الى نقطة الصفر، ووضع خطاب الدولة و النخب المحلية التي تروج له على محك اختبار حقيقي ، و ذلك من خلال الأسئلة الحارقة التي طرحها ، و من أهمها :

  • كيف يمكن الحديث عن مصالحة مع الريف و جبر الضرر الجماعي في ظل

استمرار الظهير الذي يعتبر الحسيمة منطقة عسكرية، ساري المفعول قانونيا ؟ ثم هل تقتضي المصالحة مع الريف ضرورة عملية  مقايضة مع تاريخه ؟ و الأدهى من ذلك ، ما الذي يبرر هذا الكم العرمرم من السدود ” الأمنية ” في مختلف طرقات الريف ، على خلاف ما هو عليه الأمر في باقي مناطق المغرب؟

  • هل نحن مغاربة أم لا ؟ إذا كان الجواب بنعم ، فلماذا ينبغي أن يذهب الريفي إلى خارج الريف ليتعالج ، أو يدرس في الجامعة، أو يركب في القطار ، أو يستعمل الطريق السيار؟ أي لماذا لا يريد العقل الإنفصالي في الرباط – دولة و أحزابا – أن يتخلى عن سياسة ليوطي في تقسيم المغرب إلى نافع و غير نافع ؟ لماذا يفرض على جسد المغرب أن يعاني من ضغط الدم في المركز ( الرباط ، البيضاء …) و فقر الدم في الأطراف ( تنغير، الحسيمة …) ؟

إن حراك الريف ليس حراكا ضد الدولة – كما تحاول بعض المنابر الإعلامية المغرضة تسويقه – و إلا ما كان ليرفع مطالبه إليها ، و إنما هو حراك ضد سياستها في الريف. فبعد أسلوب التهجير في الماضي، حل أسلوب التفقير، والذي أصبح ملموسا  من خلال الظواهر المتنامية المرتبطة به ( نسب قياسية من المعطلين ، تزايد ظاهرة الإنتحار بشكل مخيف ، انتشار استهلاك المخدرات، التسول …) في تناقض تام مع شعارات تنمية أقاليم الشمال، و جبر الضرر الجماعي ، و مشروع منارة المتوسط الذي ما يزال حبرا على ورق، والذي قد يتم الإشتغال عليه بنفس الوتيرة التي ينجز بها حاليا الطريق الرابط بين تازة و الحسيمة ( تأجيل الإنتهاء من الأشغال إلى ما لا نهاية ).

خاتمة : شكل هذا الحراك – بالنسبة لي – بارقة أمل ، لأنه أتاح إمكانية ” العودة إلى الذات” ( بالمعنى الفلسفي للمفهوم  الذي لا يحتمل أية مقاربة ماضوية ) و المصالحة معها، بعد سنوات من التيه السياسي و الإستلاب الإيديولوجي. لذلك فقد يشكل انطلاقة جديدة تجعل الريفيين يدافعون عن قضاياهم بدل قضايا الآخرين ، و يتوقفوا أن يزرعوا ليحصد الآخرون ، و أن ينتهوا من تبني أفكار لا تنبت في الأرض الريفية. لذلك أعتبر أن نجاح هذا الحراك المجتمعي ( لا أقصد بالحراك الإحتجاج أو أختزله فيه، كما قد

 يفهم البعض)، يتطلب في نظري، من بين ما يتطلبه :

  • أن يكون حراكا دائما يعبر عن حيوية المجتمع الريفي ، وليس فقط مجرد رد فعل آني. و أن يكون متعدد الأبعاد ، شريطة إيلاء أهمية خاصة للبعد المعرفي و الثقافي.
  • أن يتمكن من التغلب على النزعة الإنقسامية ، و التي يغذيها أعداء القضية الريفية من خلال النفخ في الإختلافات الإيديولوجية و السياسية و المناطقية و الفئوية التي لا تخدم الريف في شيء.
  • أن يتجنب الحراك في ” معاركه ” النضالية ، ما أمكنه ذلك ، أسلوب الصدام مع الدولة ، و أن يستعيض عن ذلك بممارسة ضغط عليها بكل السبل السلمية الممكنة ، مع التقيد دائما بمبدأ ” لا لتقديم تضحيات بدون تحقيق مكتسبات “،  لأن تجاهل  ذلك يفقد الفعل النضالي مصداقيته في أعين المواطنين.
  • أن ينفتح الحراك على باقي مناطق الريف ( كزناية، صنهاجة ، الناضور …) لمواجهة سياسة التقسيم التي كرستها الجهوية الإدارية .
  • أن يتجنب الحراك الدخول في معارك فاشلة من خلال مهاجمة المنتمين إلى ” المؤسسات الوسيطة ” من أحزاب و جمعيات، لأن هؤلاء ينتمون قبل

ذلك إلى عائلات ريفية. و كلنا يعلم أن العلاقات الأولى ( القرابة الدموية أو الجغرافية …) أقوى من العلاقات الثانية ( القرابة السياسية أو الإيديولوجية …) في تحديد نسيج المجتمع الريفي.

أخيرا ، يبقى هذا الحراك دفاعا عن القضية الريفية ، مجرد جزء من النضال العام  من أجل تحقيق ديمقراطية حقيقية ، لا تستقيم دون  تعاقد أفقي و ليس عمودي كما هو حاصل الآن . وهو السبيل للدخول إلى نادي الدول الديمقراطية الحديثة  الذي هو مهمة كل الأحرار في مختلف ربوع الوطن.

                                                       إمزورن في 29 يناير 2017

كلمات دليلية
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.